ملف صوتي للأب الحبري: "تعزية الحزانى"

ليست التعزية بالمهمّة السهلة، بحسب ما يؤكد الأب الحبري للـ"أوبس داي" في الملف الصوتي، إنما تتطلب الكثير من الدقّة لأن نفس الإنسان المتألم تختبر غماً شديداً. فكلمة زائدة أو ناقصة قد تتمكن من الشفاء أو من الجرح. وينصح باللجوء إلى مساعدة الملائكة الحرّاس للتعزية بشكل صحيح.

ملفات أخرى

ملفّات صوتية أخرى للأب الحبري بمناسبة يوبيل الرحمة:

1) المقدمة: أعمال الرحمة (١/١٢/٢٠١٥)

2) زيارة المرضى والإعتناء بهم (١/١/٢٠١٦)

3) إطعام الجائعين وسدّ عطش الظمآنين (١/٢/٢٠١٦)

4) إكساء العريان وزيارة السجناء (1/3/2016)

5) إيواء الغرباء (15/4/2016)

6) دفن الموتى (15/5/2016)

7) تعليم من لا يعرف وتقدمة النصيحة للمحتاج إليها (11/06/2016)

8) تصحيح من يخطئ (1/07/2016)

9) تعزية من يخطئ إلينا (1/08/2016)

*****

ملاحظة: يمكن الإستماع للملف الصوتي باللغة الإسبانية فقط، وفي ما يلي تعريب مضمون الملف:


عندما انقضى السبت، ذهبت مريم المجدلية إلى قبر المعلّم، ممتلئة بالألم وبالحبّ، من أجل دهن المصلوب بالطيوب. نقرأ هذا الحدث الإنجيليّ بفرح حقيقي لأننا نعلم أنها ستلتقي بالقرب من القبر بيسوع المسيح القائم من بين الأموات بذاته وبجسده الممجّد. نادى الرب مريم المجدلية باسمها، رغبة منه بالكشف عن نفسه: "مريم!"، وقد عرفته في الحال وقالت: "رابوني"! يا معلّم!. ليس بإمكان مريم أن تكبت صرخة الفرح هذه بعد التأكد من أن الرب حيّ، وهي لا تريد أن تكبتها. فقد اختفت في تلك اللحظة الظلمات التي كانت تعيشها روح تلك المرأة، وقد فتح الحزن الباب أمام الفرح الذي لا يمكن احتواءه. سمح الرب بأن يتم التعرّف إليه من قبل امرأة ممتلئة بالإيمان.

أردت أن أذكّر بهذا الحدث لكي نكتشف كيف أن أول ما قام به المسيح القائم من بين الأموات كان عمل الرحمة الروحي الذي سنتأمل به اليوم: تعزية الحزين.

في الواقع، إننا كأبناء الله، قد خُلِقنا للإبتهاج بالخير، ولكننا قد نلتقي بالألم على طريقنا إما لأننا نختار الخطيئة بحرّيتنا، أو لأن العناية الإلهية تسمح بالوجع لكي نتحد بالصليب، بحسب ما يطلبه منا الإنجيل. ويشكل التعايش اليومي مع السوء جزءاً من سرّ الإنسان، وعلى هذا الواقع ألا يقلل من عزيمتنا، إنما عليه أن يقودنا نحو زيادة رجائنا بالرب والرغبة في اللجوء إليه، واثقين بأن الألم والوجع ليسا خارجين عن تصاميمه المليئة بالحبّ، تماماً كما أن الدعوة للتوبة وللبدء من جديد بعد ضلالنا ليستا أيضاً خارج عنايته.

قد يحدث أن يميل الشخص الذي يختبر السوء نحو الإنعزال، معتقداً أنه بإمكانه تحمّل ذاك الحمل من دون مساعدة أحد. ويقوم الشيطان باستخدام تلك الحيلة من أجل إبعادنا عن الله وعن إخوتنا –دافعاً إيانا لرؤية عدم التفهّم والعداوة فقط في محيطنا-، ومقدّماً لنا بالمقابل، بعض التعزيات الخاطئة التي لا تترك خلفها سوى بقايا من المرارة في نهاية المطاف. فقد كانت حواء بمفردها عندما تجرّأت على التحدث مع المجرِّب، وكان يهوذا بمفرده عندما يئس في ليلة الآلام. ولسبب واضح يختم القديس بولس رسالته إلى أهل كورنتوس مؤكداً أن "الحزن في العالم ينتج الموت".

تشكل المعاكسات جزءاً من الحياة، ولكن، كم نسيء إلى أنفسنا إذا ما قررنا مواجهتها بأنفسنا حصرياً! فقد ينبع الحزن من هذا الصراع، ويجرّ الحزن خلفه التشاؤم، ويبعدنا بهذه الطريقة عن الله وعن إخوتنا. ويقول الكتاب المقدس إن "الهوّة تنادي الهوّة". نحتاج في تلك الأوقات إلى أيادٍ تمنعنا من الإستمرار بالسقوط.

كان القديس خوسيماريا ينصح الأشخاص الذين يمرّون بمرحلة كهذه بالتفيش أولاً عن العزاء في الصلاة وأمام بيت القربان، لأن كل الرحمة تنبع من الله. وقد قال في كتاب "طريق": "تسألني نصيحة لمعالجة حزنك. –سأقدم لك وصفة واردة عن يدٍ صالحة: يد الرسول يعقوب: "أأنت حزين يا بنيّ؟ - صلِّ!"- جرّب لترى".

كان مؤسس الـ"أوبس داي" يلجأ إلى السماء عندما كان يستصعب قبول ظرفٍ صعب، كخبر وفاة شخص قريب منه: أحد أقربائه أو أصدقائه. ولم يكن يدع الحزن يسيطر عليه على الرغم من أنه كان يتألم كأب – كإبن، كأخ، كصديق-، وكان يصلي على هذا النحو: "فلتتم، فلتتحقق، ولتكن ممدوحة وممجدة إلى الأبد، إرادة الله الكلية العدالة والمحبوبة جداً فوق كل شيء. آمين، آمين". وكان يردد مرتين كلمة "آمين" لكي يؤكد بشدّة خضوعه للإرادة الإلهية، حتى ولو كان ذلك صعباً بالنسبة إليه أو حتى لو أنه لم يفهم السبب. أذكر بوضوح كيف كان القديس خوسيماريا يجد العزاء الكبير في هذه الصلاة من أجل الإستمرار بالسير.

وفي الوقت نفسه، تصل المساعدة الإلهية إلينا في ظروف عدّة عبر أشخاصٍ آخرين: أصدقاء، أو زملاء، أو أقرباء أو حتى من قبل أناسٍ لا نعرفهم. فإما يعزّوننا هم أو نقدّم لهم نحن التعزية، فاتحين الطريق لله على هذا النحو لكي يلطّف الصعوبات والأحزان التي نواجهها جميعنا في مسيرتنا الأرضيّة عبر رحمته.

ليست التعزية بالمهمّة السهلة، إنما تتطلب الكثير من الدقّة لأن نفس الإنسان المتألم تختبر غماً شديداً. فكلمة زائدة أو ناقصة قد تتمكن من الشفاء أو من الجرح. أحياناً، يكون صبرنا كافياً، وأحياناً أخرى، يكون من الأفضل قول كلمة ما لنقل الرجاء وللمساعدة على رؤية الأمور من منظار مختلف.

أنصحكم بطلب المساعدة من الملائكة الحرّاس بهدف التعزية بالشكل الصحيح. فقد أرسل الله الآب ملاكاً لتعزية يسوع المسيح في بستان الزيتون خلال لحظات الألم الشديدة التي كان يمرّ بها فادينا. فيا بناتي وأبنائي، ويا أخواتي وإخوتي، من خلال هذا المشهد الذي قد يغذّي صلاتنا مرّاتٍ عدّة، يظهر بشكل جليّ كيف أن التعزية هي عملاً إلهياً. فلقد أبرزت بوضوح تلك التعزية خلال نزاع المسيح، محبّة الله ومساعدة الروح القدس، المعزّي الكبير.

تتذكرون حتماً كيف أن القديس خوسيماريا –متّبعاً التقليد الكنيسي-، كان يؤكد أننا نحن، الرجال والنساء، نكون هياكل للثالوث عندما نكون في حالة النعمة. وبالتالي، فعندما نمارس أو نقبل عمل رحمة، نُظهر للعالم تدفّق الحب هذا الذي ينبع من الآب ويقبله الإبن ويكشفه الروح القدس: فيمكن إذاً لأمر مهم على هذا النحو، من خلال صلاح الربّ، أن يتجلّى بلفتة عادية كالمعانقة أو كلام التعزية أو تمضية الوقت بالإصغاء إلى الآخر أو الصمت ومرافقة الشخص المتألم في الصلاة سوياً.

في ذلك المشهد نفسه في بستان الزيتون، تظهر لنا إحدى الصعوبات التي يتضمنها عمل الرحمة هذا، وتكمن في عدم التمكن من اكتشاف عذاب قريبنا. ففي الواقع، كان الرسل على بُعد رمية حجر من ربّنا، وكانوا نائمين، غير مدركين بالألم الذي كان يعيشه معلّمهم. فلنرى أنفسنا منعكسة في سباتهم: فنحن ننام عندما نحبس أنفسنا في مشاكلنا، وعندما تمنعنا العجلة من التوقف والإصغاء، وعندما لا نعطي أهمية لمؤشرات الحزن التي يظهرها أحد أقربائنا أو أصدقائنا، وعندما نريد تقدمة النصائح من دون الإستماع المسبق، وعندما نُحطّم الشخص الذي قد أخطأ، واضعين حداً لصبرنا...

أختم بصلاة مديح جميلة نقلها القديس بولس إلى إخوته في كورنتس وهي تلخص جوهر عمل الرحمة الذي تأملنا به اليوم: "تبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح، أبو الرأفة وإله كل عزاء، فهو الذي يعزينا في جميع شدائدنا لنستطيع، بما نتلقى نحن من عزاء من الله، أن نعزي الذين هم في أية شدة كانت". آمين