احتفالية الثالوث الأقدس

كما يُعلّم مؤسس أوبوس داي: «الله معك. الثالوث الأقدس يسكن في نفسك بالنعمة. ولذلك، على الرغم من بؤسك، تستطيع وينبغي لك أن تكون في حوار دائم مع الرب».

عمود الطاعون، فيينا — الثالوث الأقدس | Viennpixelart، CC BY-SA 4.0، عبر Wikimedia Commons

تُلخّص احتفالية الثالوث الأقدس كل ما أُعلن لنا في الفصح: موت الرب وقيامته وصعوده إلى يمين الآب وانسكاب الروح القدس في العنصرة. وفي هذا العيد تبدأ الليتورجيا بتمجيد الثالوث والسجود له، الذي تجلّى لنا في يسوع المسيح: «مباركٌ الثالوث الأقدس ووحدته غير المنقسمة؛ فلنمجّده لأنه أظهر لنا رحمته» (أنتيفون الدخول). الثالوث ليس مجرد سرٍّ عن هوية الله، بل هو بوجه خاص سرّ محبته الرحيمة للعالم ولكل واحد منّا.

«أنا أعمّدك»، قال كاهنٌ وهو يصبّ الماء ثلاث مرات على رأسنا، «باسم الآب والابن والروح القدس». ويعلّق القديس هيلاريوس: «أمر الرب بالتعميد [...] في الإيمان بالخالق وبالابن الوحيد وبمن يُدعى العطية. واحدٌ هو خالق الكل لأن واحداً هو الله الآب الذي منه كل شيء؛ وواحدٌ هو الابن الوحيد ربنا يسوع المسيح الذي به صُنع كل شيء؛ وواحدٌ هو الروح الذي أُعطي لنا جميعاً».

أدخلنا الثالوث في حميمية الله الإلهية بوصفنا أبناء. ومنحنا ماء المعمودية القدرة على الدخول في علاقة مع الأقانيم الثلاثة. فضلاً عن ذلك، خُلقنا لهذه العلاقة من المحبة، لنُمجّد الآب والابن والروح القدس. «كثيراً ما سمعتموني أقول، كان القديس خوسيماريا يعظ، إن الله في مركز نفسنا حين تكون في حالة النعمة؛ وإنه بالتالي لكلٍّ منّا خطٌّ مباشر مع الله ربنا. وما قيمة كل التشبيهات البشرية أمام هذه الحقيقة الإلهية الرائعة؟ في الطرف الآخر من الخط يوجد، ينتظرنا، [...] الثالوث كله: الآب والابن والروح القدس، لأن حيث يوجد أحد الأقانيم الإلهية يوجد الاثنان الآخران. لسنا وحدنا أبداً».

في كل مرة نرسم فيها إشارة الصليب نستذكر اسم الله الذي اعتمدنا فيه. تبدأ الاحتفالية الإفخارستية وتنتهي بإشارة الصليب. وكثيراً ما يكون كذلك حين نبدأ صلاتنا أو نختمها. وثمة أناس اعتادوا رسم إشارة الصليب حين يدخلون بيوتهم أو يخرجون منها، وفي لحظات صلاة كثيرة أخرى. «ففي إشارة الصليب وفي اسم الله الحي نجد الإعلان الذي يُولّد الإيمان ويُلهم الصلاة».

يذكّرنا القديس بولس بأننا نسير نحو الله، بالمسيح، في «محبة الله التي انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا» (رو ٥، ٥). وهذا هو «الرجاء الذي لا يُخزي». في ملء الأزمنة، أراد الله أن يكشف لنا حميميته الإلهية لكي يجعلنا أبناء لله الآب، بفداء الله الابن، بفضل نعمة الله الروح القدس. ومحبته تواصل إتمام عمل خلاصنا وتقديسنا. وجدت القديسة تيريزا الكلكتية يوماً في أحد الشوارع امرأة عجوزاً مثخنةً بالجروح، فبدأت تغسلها وتنظّفها. وفي لحظة ما سألتها المرأة: «لماذا تفعلين هذا؟ لا يفعل الناس مثل هذا. من علّمك؟» فأجابت القديسة تيريزا: «علّمني إلهي». فقالت العجوز: «من هو هذا الإله؟» فقالت الأم تيريزا ببساطة: «أنتِ تعرفين إلهي. إلهي اسمه المحبة».

الله محبة، «لا في شخص واحد، بل جوهرٌ واحد في ثلاثة أقانيم» (مقدمة القداس). «ليست محبةً عاطفية وجدانية، بل محبة الآب الذي هو منبع كل حياة، ومحبة الابن الذي يموت على الصليب ويقوم، ومحبة الروح الذي يجدد الإنسان والعالم». الله ليس كائناً منعزلاً يحيا بعيداً ولا مبالياً بمصير الإنسان؛ بل هو أسرة، ينبوعٌ لا ينضب من الحياة يُعطي نفسه.

في خطاب العشاء الأخير، يُعلن يسوع ويعد بإرسال الروح القدس: سيكون عزاءً للتلاميذ وقوةً لهم. ويُسمّيه الرب «روح الحق» لأنه «سيقودنا إلى الحق كله. فإن ما سيقوله لن يكون من عنده، بل ما سمعه سيقوله، وما هو آتٍ سيُعلمكم إياه» (يو ١٦، ١٣). لا يُضيف الروح القدس شيئاً جديداً إلى المسيح؛ «سيأخذ مما هو لي ليُعلمكم إياه»، يقول يسوع (يو ١٦، ١٤). وكما أن يسوع المسيح لا يقول إلا ما يسمعه ويستقبله من الآب، فإن «الروح القدس هو مُفسِّر المسيح. لا يقودنا إلى أماكن أخرى بعيدة عن المسيح، بل يقودنا أكثر فأكثر في نور المسيح».

وفق القديس غريغوريوس النزيانزي، «أعلن العهد القديم الآبَ بوضوح والابنَ بغموض. أما العهد الجديد فكشف الابن وألمح إلى لاهوت الروح. أما اليوم فالروح يحيا بيننا ويتجلى بوضوح». والمعزّي «يُعلّم الآن المؤمنين كل الأمور الروحية التي يستطيع كل منهم استيعابها، لكنه يُشعل أيضاً في صدورهم شوقاً أشد نحو النمو في تلك المحبة التي تجعلهم يُحبّون ما يعلمون ويشتاقون إلى ما لا يعلمون».

«بعمل الروح القدس، أشرق نورٌ جديد على الأرض وفي كل قلب بشري يستقبله؛ نورٌ يكشف الزوايا المظلمة والقسوة التي تمنعنا من أن نُثمر ثمار المحبة والرحمة الصالحة». وكما أن رائحة قارورة العطر تنتشر في كل مكان حين تنكسر، كذلك حين انكسر جسد المسيح على الصليب انسكب روحه في قلوب الجميع. يمكننا أن نطلب من العذراء مريم، ابنة الله وأمّه وعروسه، أن تُعلّمنا كيف ندخل في الشركة الثالوثية، ونحيا ونشهد للمحبة التي تمنح حياتنا معناها.