٢٤ مايو ٢٠٢٦: أحد العنصرة

لا ينتظر يسوع أن يصبح رسله رجالاً شجعاناً قبل أن يرسلهم: بل يرسلهم وهم في حالة خوف، لأن سلامهم وقوتهم لن تأتيا من صفات بشرية أو من ظروف مواتية. ستأتيان من الروح القدس الذي يتلقونه في تلك اللحظة.

العنصرة عيدٌ مسيحي يُحتفل به خمسين يوماً بعد الفصح. والمصطلح ذو الأصل اليوناني الذي يعني حرفياً «الخمسون»، كان اليهود الهيلينيون يستخدمونه أصلاً للدلالة على عيد الشاووعوت، العيد اليهودي الذي يُحتفل به خمسين يوماً بعد فصح اليهود. وبحسب الرواية الواردة في سفر أعمال الرسل (٢، ١-٤)، فإنه في خلال هذا العيد تلقّى تلاميذ يسوع المجتمعون في أورشليم — وكانوا مشلولين بالقلق والاضطراب إثر صلب المسيح — الروحَ القدس على شكل ألسنة من نار. وقد حافظ المسيحيون الأوائل على هذا الاسم للاحتفال بهذا الحدث التأسيسي، الذي يُفهم قبل كل شيء بوصفه تحقيقاً لوعود المسيح الواردة بوضوح في إنجيل القديس يوحنا: «إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي. وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد: روح الحق» (يو ١٤، ١٥-١٧)، ثم في الآية ٢٦: «أما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلّمكم كل شيء». وكذلك في إنجيل القديس لوقا: «وها أنا أرسل إليكم موعد أبي، فأقيموا في المدينة حتى تلبسوا قوةً من العلاء» (لو ٢٤، ٤٩).

السياق اليهودي للعنصرة جوهري. ففي التقليد اليهودي، يُحيي هذا العيد ذكرى إعطاء الشريعة لموسى على جبل سيناء وسط النار والرعد ونفَس الله القوي: «وكان جبل سيناء يدخّن كله من أجل أن الرب نزل عليه في النار» (خر ١٩، ١٨). وبالنسبة للمسيحيين، العنصرة هي «سيناء جديدة»: لم تعد عطاء شريعة محفورة على لوحَي حجر، بل عطاء الروح القدس الحي في قلوب المؤمنين. والعلامات المرافقة لنزول الروح في رواية أعمال الرسل تستحضر هذا الرمز التوراتي: «وجاء بغتةً من السماء صوت كصوت ريح عاتية فملأ كل البيت حيث كانوا جالسين» (أع ٢، ٢). فالنار تستحضر الحضور الإلهي والنور والتطهير والتحول الداخلي؛ وفي الكتاب المقدس يتجلى الله كثيراً عبر النار، من العليقة المشتعلة عند موسى إلى عمود النار الذي قاد إسرائيل في البرية. أما الريح فلها أيضاً دلالة عميقة؛ إذ يستخدم النص اليوناني كلمة بنيوما التي تعني في آنٍ واحد «ريحاً» و«نفَساً» و«روحاً». وكذلك في اللغات السامية القريبة من التقليد التوراتي، تدل كلمة روح (ܪܘܚܐ / روح) في آنٍ واحد على الروح والنفَس ومبدأ الحياة. وهكذا فإن «الريح الشديدة» في العنصرة لا ينبغي أن تُفهم بوصفها ظاهرة طبيعية عادية، بل هي النفَس الإلهي ذاته، ذلك النفَس الحيوي الذي به يخلق الله الإنسان ويحييه ويجدده.

العنصرة هي أيضاً ميلاد الكنيسة. ففي رواية أعمال الرسل، يتحول التلاميذ — الذين كانوا حتى تلك اللحظة منغلقين في الخوف والانتظار إثر موت يسوع — فجأةً إلى جماعة علنية منظمة موجَّهة نحو الرسالة. والتحول جذري: لم يعودوا مجموعة متفرقة من الشهود الهشّين، بل أصبحوا كنيسةً ناشئة أظهرها الروح القدس وفعّلها بقوته. ويترافق هذا الميلاد فوراً مع بُعد كوني يعبّر عنه النص من خلال معجزة الألسنة: «فامتلأ الجميع من الروح القدس وأخذوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا» (أع ٢، ٣). وهذه التفصيلة ليست عرضية: إذ تعمل انقلاباً مباشراً على رواية بابل في سفر التكوين، حيث أفضى تعدد الألسن إلى تشتت البشرية وتشرذمها. أما في العنصرة فعلى العكس، يصير التنوع اللغوي مكانَ التفاهم المتبادل بالذات. وبهذا المعنى تُوصف الكنيسة بأنها «كاثوليكية»، أي جامعة: فهي لا تقوم على محو الاختلافات بل على تجميعها في شركة واحدة. وأخيراً، هذه الكنيسة الناشئة يسكنها الروح القدس ويقودها باستمرار، فيصير مبدأها الداخلي في الحياة والتمييز. فإعلان الإنجيل ونمو الجماعة وأمانتها لرسالة المسيح لا تقوم على القوى البشرية للرسل وحدها، بل على العمل المستمر لهذا الروح الذي يلهم الكنيسة ويقويها ويقودها عبر الزمن.

الروح القدس محرِّرٌ أيضاً؛ فهو يُعتق الإنسان من انغلاقاته الداخلية — مخاوفه وأنانيته وعنفه وانكفائه على ذاته — ويحوّل قلبه ويصوغه وفق منطق جديد محوره المحبة. ويعطينا القديس بولس قائمة ملموسة بثماره في رسالته إلى أهل غلاطية: «المحبة والفرح والسلام والأناة واللطف والصلاح والأمانة والوداعة وضبط النفس». وهكذا يُدخَل الإنسان المتحوّل الساكنُ فيه الروح القدسُ في شركة مع الله تُشكّل تحقق تلك البهجة الداخلية. والمعمَّدون، السالك فيهم الروح القدس والسعداء، «كانوا يواظبون على تعليم الرسل والشركة وكسر الخبز والصلوات» (أع ٢، ٤٢).