بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مِنْ عِيدِ الْفِصْحِ، تَحْتَفِلُ الْكَنِيسَةُ بِصُعُودِ يَسُوعَ. تُذَكِّرُنَا مُقَدِّمَةُ الْقُدَّاسِ بِأَنَّ «الرَّبَّ يَسُوعَ، غَالِبَ الْخَطِيئَةِ وَالْمَوْتِ، هُوَ الْيَوْمَ ذَلِكَ الْمَلِكُ الْمَجِيدُ الَّذِي تَتَعَجَّبُ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ: إِنَّهُ يَرْتَفِعُ إِلَى أَعْلَى السَّمَاوَاتِ لِيَكُونَ دَيَّانَ الْعَالَمِ وَرَبَّ الْأَرْبَابِ».
يَسُوعُ يُرْسِلُ تَلَامِيذَهُ فِي مِهِمَّةٍ، وَيُرْسِلُنَا نَحْنُ أَيْضًا
يُخْبِرُنَا الْقِدِّيسُ مَرْقُسُ أَنَّهُ قُبَيْلَ صُعُودِهِ إِلَى السَّمَاءِ، أَكَّدَ يَسُوعُ الرِّسَالَةَ الرَّسُولِيَّةَ لِتَلَامِيذِهِ: «اِذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالْإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا» (مر ١٦، ١٥). هَذِهِ مَهَمَّةٌ طَمُوحَةٌ حَقًّا. إِذْ لَا يَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِتَبْشِيرِ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ وَحْدَهُ، أَوِ الْإِمْبِرَاطُورِيَّةِ الرُّومَانِيَّةِ، بَلِ الْعَالَمَ بِأَسْرِهِ، الْخَلِيقَةَ كُلَّهَا. «إِنَّ هَذِهِ الْمَهَمَّةَ الَّتِي يَعْهَدُ بِهَا يَسُوعُ إِلَى مَجْمُوعَةٍ صَغِيرَةٍ مِنَ الرِّجَالِ الْبُسَطَاءِ الَّذِينَ لَا يَتَمَتَّعُونَ بِكَفَاءَاتٍ فِكْرِيَّةٍ كَبِيرَةٍ تَبْدُو جَسُورَةً حَقًّا! وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ الرَّهْطَ الصَّغِيرَةَ، الَّتِي لَا قِيمَةَ لَهَا أَمَامَ قُوَى الْعَالَمِ الْعُظْمَى، مُرْسَلَةٌ لِتَحْمِلَ رِسَالَةَ مَحَبَّةِ يَسُوعَ وَرَحْمَتِهِ إِلَى أَقَاصِي الْأَرْضِ».
نَظَرًا لِكُلِّ مَا عَاشُوهُ خِلَالَ الْأَرْبَعِينَ يَوْمًا الَّتِي أَعْقَبَتْ قِيَامَةَ يَسُوعَ، اسْتَجَابَ التَّلَامِيذُ لِوَكَالَتِهِ التَّبْشِيرِيَّةِ بِإِيمَانٍ فَعَّالٍ. «أَمَّا هُمْ فَخَرَجُوا وَكَرَزُوا فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَالرَّبُّ يَعْمَلُ مَعَهُمْ وَيُثَبِّتُ الْكَلِمَةَ بِالْآيَاتِ الَّتِي تَتْبَعُهَا» (مر ١٦، ٢٠). إِنَّ الرِّسَالَةَ الرَّسُولِيَّةَ لَيْسَتْ مَهَمَّةً مَخْصُوصَةً بِالتَّلَامِيذِ الْأَوَائِلِ، إِذْ نَحْنُ أَيْضًا مَعْنِيُّونَ بِهَذِهِ الْمَهَمَّةِ الْإِلَهِيَّةِ. لِذَلِكَ يَبْدُو لَنَا الْيَوْمُ الَّذِي صَعِدَ فِيهِ يَسُوعُ إِلَى السَّمَاءِ قَرِيبًا جِدًّا. «الرِّسَالَةُ الرَّسُولِيَّةُ هِيَ كَتَنَفُّسِ الْمَسِيحِيِّ: إِذِ الِابْنُ لَا يَسْتَطِيعُ الْعَيْشَ بِدُونِ هَذَا الِاهْتِزَازِ الرُّوحِيِّ. يُذَكِّرُنَا عِيدُ الْيَوْمِ بِأَنَّ الْغَيْرَةَ عَلَى النُّفُوسِ هِيَ وَصِيَّةٌ مَحَبَّةٍ مِنَ الرَّبِّ الَّذِي، إِذْ صَعِدَ فِي مَجْدِهِ، يُرْسِلُنَا لِنَنْشُرَ شَهَادَتَهُ فِي الْعَالَمِ كُلِّهِ. مَسْؤُولِيَّتُنَا عَظِيمَةٌ: لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لِلْمَسِيحِ تَسْتَلْزِمُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ السَّعْيَ إِلَى الْعَيْشِ وِفْقَ تَعْلِيمِهِ، وَالنِّضَالَ لِأَجْلِ أَنْ يُذَكِّرَ سُلُوكُنَا بِيَسُوعَ وَيَسْتَحْضِرَ شَخْصِيَّتَهُ الْمَحْبُوبَةَ. يَجِبُ أَنْ نَتَصَرَّفَ بِحَيْثُ يَقُولُ الْآخَرُونَ حِينَ يَرَوْنَنَا: هَذَا مَسِيحِيٌّ، لِأَنَّهُ لَا يَكْرَهُ، وَلِأَنَّهُ يَعْرِفُ كَيْفَ يَتَفَهَّمُ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مُتَعَصِّبًا، وَلِأَنَّهُ يَضْبِطُ غَرَائِزَهُ، وَلِأَنَّهُ يُضَحِّي بِنَفْسِهِ، وَلِأَنَّهُ يُظْهِرُ مَشَاعِرَ السَّلَامِ، وَلِأَنَّهُ يُحِبُّ».
يَعُودُ إِلَى السَّمَاءِ لَكِنَّهُ لَا يُهْمِلُنَا
يَكْتُبُ الْقِدِّيسُ لُوقَا أَنَّهُ قُبَيْلَ صُعُودِهِ إِلَى السَّمَاءِ «أَخْرَجَهُمْ حَتَّى إِلَى بَيْتِ عَنْيَا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَبَارَكَهُمْ» (لو ٢٤، ٥٠). بِمَعْنًى مَا، مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ «يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ عَلَى هَذَا الْعَالَمِ. إِنَّ يَدَيِ الْمَسِيحِ، وَهُوَ يُبَارِكُنَا، تُشْبِهَانِ سَقْفًا يَحْمِينَا [...]. إِذْ يَنْصَرِفُ يَرْفَعُنَا فَوْقَ ذَوَاتِنَا وَيَفْتَحُ الْعَالَمَ أَمَامَ اللهِ. لِهَذَا اسْتَطَاعَ التَّلَامِيذُ أَنْ يَفْرَحُوا حِينَ عَادُوا مِنْ بَيْتِ عَنْيَا. بِالْإِيمَانِ نَعْلَمُ أَنَّ يَسُوعَ، وَهُوَ يُبَارِكُ، يَمُدُّ يَدَيْهِ عَلَيْنَا. هَذَا هُوَ السَّبَبُ الدَّائِمُ لِلْفَرَحِ الْمَسِيحِيِّ». يَتَأَمَّلُ لِيتُرجِيَّا السَّاعَاتِ الْيَوْمَ بَعْضَ كَلِمَاتِ الْقِدِّيسِ أُوغُسْطِينُوسَ حَوْلَ هَذَا السِّرِّ: «هُوَ لَمْ يَبْتَعِدْ عَنِ السَّمَاءِ حِينَ نَزَلَ مِنْهَا لِيَأْتِيَ إِلَيْنَا؛ وَلَمْ يَبْتَعِدْ عَنَّا حِينَ صَعِدَ لِيَعُودَ إِلَيْهَا [...]. نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ بِرَحْمَتِهِ، وَوَحْدَهُ صَعِدَ إِلَيْهَا، لَكِنَّنَا بِالنِّعْمَةِ صَعِدْنَا نَحْنُ أَيْضًا فِيهِ».
أَمَّا الْقِدِّيسُ مَرْقُسُ فَيَخْتِمُ إِنْجِيلَهُ قَائِلًا إِنَّ «الرَّبَّ يَسُوعَ، بَعْدَ مَا كَلَّمَهُمْ، ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ اللهِ» (مر ١٦، ١٩). الْمَشْهَدُ سَهْلُ التَّخَيُّلِ إِذَا اتَّبَعْنَا مَا كَتَبَهُ الْقِدِّيسُ خُوسِيمَارِيَا: «مِنَ الْحَقِّ أَنْ تَتَلَقَّى إِنْسَانِيَّةُ الْمَسِيحِ الْمُقَدَّسَةُ تَكْرِيمَ جَمِيعِ تَسَلْسُلَاتِ الْمَلَائِكَةِ وَكُلِّ فَيَالِقِ الْمُبَارَكِينَ فِي الْمَجْدِ وَتَمْجِيدَهُمْ وَسُجُودَهُمْ».
يَصْعَدُ يَسُوعُ إِلَى السَّمَاءِ لَكِنْ دُونَ أَنْ يَتْرُكَنَا. «بِمَا أَنَّ يَسُوعَ قَرِيبٌ مِنَ الْآبِ، فَهُوَ لَيْسَ بَعِيدًا بَلْ قَرِيبٌ مِنَّا. إِنَّهُ لَيْسَ الْآنَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ مِنَ الْعَالَمِ كَمَا كَانَ قَبْلَ الصُّعُودِ؛ بَلْ بِقُدْرَتِهِ يَتَجَاوَزُ كُلَّ مَكَانٍ، [...] وَهُوَ حَاضِرٌ إِلَى جَانِبِ الْجَمِيعِ، وَيَسْتَطِيعُ كُلٌّ أَنْ يَدْعُوَهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَعَلَى مَدَى التَّارِيخِ». يَسُوعُ يَبْقَى مَعَنَا: الرُّوحُ الْقُدُسُ يَسْكُنُ فِي نُفُوسِنَا الَّتِي هِيَ فِي حَالَةِ النِّعْمَةِ، وَالرَّبُّ يُرَافِقُنَا، حَتَّى جَسَدِيًّا، فِي الْإِفْخَارِسْتِيَّا. «بِإِمْكَانِنَا أَنْ نَدْخُلَ فِي أَلْفَةٍ مَعَ يَسُوعَ، جَسَدًا وَرُوحًا. لَقَدْ أَرَانَا الْمَسِيحُ بِوُضُوحٍ الطَّرِيقَ: الْخُبْزُ وَالْكَلِمَةُ؛ أَنْ نَتَغَذَّى بِالْإِفْخَارِسْتِيَّا، وَنَعْرِفَ مَا جَاءَ لِيُعَلِّمَنَا إِيَّاهُ وَنَعْمَلَ بِهِ، وَفِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ نُحَادِثُهُ فِي الصَّلَاةِ».
الْمَسِيحُ يَسْبِقُنَا كَـ«قَائِدٍ»
«وَبَيْنَمَا كَانُوا شَاخِصِينَ نَحْوَ السَّمَاءِ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ، إِذَا رَجُلَانِ قَدْ وَقَفَا بِجِوَارِهِمْ بِلِبَاسٍ أَبْيَضَ، وَقَالَا: "أَيُّهَا الْجَلِيلِيُّونَ، مَا بَالُكُمْ وَاقِفِينَ تَنْظُرُونَ إِلَى السَّمَاءِ؟ إِنَّ يَسُوعَ هَذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هَكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقًا إِلَى السَّمَاءِ"» (أع ١، ١٠-١١). إِنَّ احْتِفَالِيَّةَ الصُّعُودِ تُعِيدُ إِشْعَالَ فِينَا رَجَاءَ الْمُشَارَكَةِ فِي الْمَجْدِ الَّذِي يَنْعَمُ بِهِ يَسُوعُ، وَالَّذِي نَحْنُ مَدْعُوُّونَ إِلَيْهِ بِوَصْفِنَا أَعْضَاءً فِي جَسَدِهِ. «إِنَّهُ لَا يَهْرُبُ مِنْ حَالَتِنَا الْبَشَرِيَّةِ: بَلْ بِدُخُولِهِ أَوَّلَ الْمَلَكُوتَ يُعْطِي أَعْضَاءَ جَسَدِهِ رَجَاءَ اللِّحَاقِ بِهِ يَوْمًا مَا».
«إِنَّ هَذَا "الْخُرُوجَ" نَحْوَ الْوَطَنِ السَّمَاوِيِّ الَّذِي عَاشَهُ يَسُوعُ شَخْصِيًّا، قَدِ اضْطَلَعَ بِهِ كُلِّيًّا مِنْ أَجْلِنَا. إِنَّهُ مِنْ أَجْلِنَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَمِنْ أَجْلِنَا صَعِدَ إِلَيْهَا، بَعْدَ أَنْ صَارَ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَ الْبَشَرِ، مُتَوَاضِعًا حَتَّى الْمَوْتِ عَلَى الصَّلِيبِ، وَبَعْدَ أَنْ بَلَغَ قَاعَ الْهُوَّةِ فِي أَشَدِّ الِابْتِعَادِ عَنِ اللهِ. لِهَذَا بِالذَّاتِ سُرَّ الْآبُ بِهِ وَ«رَفَعَهُ» (في ٢، ٩)، رَادًّا إِلَيْهِ مِلْءَ مَجْدِهِ، لَكِنْ هَذِهِ الْمَرَّةَ بِإِنْسَانِيَّتِنَا. اللهُ فِي الْإِنْسَانِ — الْإِنْسَانُ فِي اللهِ: هَذِهِ حَقِيقَةٌ لَيْسَتْ نَظَرِيَّةً بَلْ وَاقِعِيَّةٌ. لِهَذَا فَالرَّجَاءُ الْمَسِيحِيُّ الْمُؤَسَّسُ فِي الْمَسِيحِ لَيْسَ وَهْمًا، بَلْ كَمَا تَقُولُ الرِّسَالَةُ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ: "لَنَا فِيهِ كَمِرْسَاةٍ لِلنَّفْسِ" (عب ٦، ١٩)، مِرْسَاةٌ تَخْتَرِقُ السَّمَاءَ حَيْثُ سَبَقَنَا الْمَسِيحُ».
الرَّبُّ يَنْتَظِرُنَا فِي السَّمَاءِ وَيُرْسِلُ إِلَيْنَا الرُّوحَ الْقُدُسَ، مَوَاهِبَهُ وَثِمَارَهُ، لِكَيْ نَصِلَ نَحْنُ أَيْضًا إِلَى خَطِّ النِّهَايَةِ. «بَعْدَ صُعُودِ الرَّبِّ إِلَى السَّمَاءِ، اجْتَمَعَ التَّلَامِيذُ فِي صَلَاةٍ فِي الْعِلِّيَّةِ مَعَ أُمِّ يَسُوعَ (راجع أع ١، ١٤)، مُتَضَرِّعِينَ مَعًا إِلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي كَانَ سَيَكْسُوهُمْ بِالْقُوَّةِ لِلشَّهَادَةِ الَّتِي كَانُوا مَدْعُوِّينَ إِلَى تَقْدِيمِهَا لِلْمَسِيحِ الْقَائِمِ (راجع لو ٢٤، ٤٩؛ أع ١، ٨). كُلُّ جَمَاعَةٍ مَسِيحِيَّةٍ، مُتَّحِدَةً بِالسَّيِّدَةِ الْعَذْرَاءِ، تَسْتَعِيدُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ هَذِهِ التَّجْرِبَةَ الرُّوحِيَّةَ الْفَرِيدَةَ اسْتِعْدَادًا لِاحْتِفَالِيَّةِ الْعَنْصَرَة».
