تحول القديس بولس
في 25 كانون الثاني، تُحيي الكنيسة ذكرى تحول القديس بولس، رسـول الأمم (رومية 11:13 ؛ غلاطية 2:8)، الشخصية المركزية في المسيحية الناشئة وُلد شاول الطرسوسي، يهودي من الشتات، مواطن روماني، ومتعلّم على طريقة الفريسيين «فريسي ابن فريسيين» (أعمال الرسل 23:6)، وتميز في البداية بحماسه للشريعة وباضطهاده النشط للمجتمعات المسيحية الأولى يُروى تحول بولس ثلاث مرات في أعمال الرسل (أعمال 9:1-19 ؛ 22:3-16 ؛ 26:9-18)، ويضعه المؤرخون عادة بعد موت وقيامة المسيح، نحو 33–36 ميلادي، على الأرجح في عهد الإمبراطور تيبريوس وأثناء طريقه إلى دمشق، أُلقى شاول أرضًا بضوء نازل من السماء وسمع صوت يسوع القائم من بين الأموات يقول له بالآرامية: «شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟ صعب عليك مقاومة الإبرة» فسأل بولس: «من أنت يا رب؟» فأجاب يسوع، مُمثلًا الكنيسة: «أنا يسوع الذي أنت تضطهده» وأعمى بولس، ثم تولّى أنانيه وضع يديه عليه ليستعيد بصره ويُعمّده
يبدأ تحول القديس بولس بلقاء كشف إلهي جذري مع المسيح وفي رسائله يفسّر بولس هذا الحدث أساسًا على أنه إظهار إلهي، وليس نتيجة تفكير عقلي فيقول إن الله «أظهر ابنه فيّ» (غلاطية 1:15-16)، ويؤكد: «ألم أرَ يسوع ربنا؟» (1 كورنثوس 9:1) ؛ و«ظهر لي أنا أيضًا» (1 كورنثوس 15:8) هذا اللقاء يشكّل أساس إيمانه وسلطته الرسولية لكنه أيضًا يحدث على أرضية داخلية مُهيأة مسبقًا فعبارة المسيح «صعب عليك مقاومة الإبرة» (أعمال 26:14) توحي بأن بولس كان يشعر داخليًا بجاذبية الحقيقة قبل أن يلتقي بالمسيح إن اتساق شهود المسيح، حتى في الشهادة بالموت، وصورة الخادم المتألم، ومحبة الأعداء المعلنة والعملية، والإعلان المستمر عن القيامة، كلها ساهمت في تعميق التوتر الداخلي لديه ويظهر كشف دمشق على أنه انفجار مفاجئ ولا يقاوم للمسيح الحي يكشف عن الحقيقة التي طالما قاومها، ويؤسس، لبولس ولكل مسيحي، حياة روحية متجذرة في اللقاء الشخصي مع الرب
يؤدي هذا الكشف الإلهي إلى اختيار ملموس وحاسم أن يندمج بولس في المسيح بواسطة الاتحاد بالمسيح من خلال المعمودية (رومية 6:3-4)، علامة على موت الإنسان القديم وولادة جديدة ومنذ ذلك الحين، يلتزم بتعميق الإيمان الذي تلقاه: «لم أعد أنا أحيا، بل المسيح يحيا فيّ» (غلاطية 2:20) هذا الالتزام يؤدي إلى تحوّل داخلي جوهري وإعادة تشكيل معايير الحكم والعمل (فيلبي 3:7-9) ويصبح المسيح مركز حياته، ومن هذه المركزية ينبثق نظام داخلي جديد، يميّزه الطاعة لمشيئة الله العلي وقانون المحبة الذي يحقّق كل شريعة أخرى (رومية 13:8-10)
وأخيرًا، يُكلف بولس برسالة إرسالية خاصة جدًا يُرسل فيها من المسيح مباشرة نحو كل الأمم: «اذهب، لأني سأرسلك بعيدًا إلى الأمم الوثنية» (أعمال 22:21) وتُؤكّد هذه الدعوة وتُختم من قبل الرب نفسه عند أنانيه، الذي تلقى أمرًا لاستقبال بولس: «اذهب، فإن هذا الرجل مُختار عندي ليكون أداة اختياري، ليحمل اسمي أمام الأمم والملوك وأبناء إسرائيل» (أعمال 9:15-16) ومن خلال رحلاته التبشيرية، وتأسيسه للكنائس، ورسائله، لعب بولس دورًا حاسمًا في تعميم المسيحية وقد هيكلت مهمته بشكل دائم اللاهوت والحياة الكنسية والدعوة التبشيرية للكنيسة الناشئة، حتى أصبح تحوله نقطة تحول رئيسية في تاريخ المسيحية
