في خضمّ الحرب، أوّل ما يفرض نفسه هو عبثيّتها العميقة. تُدمَّر الأرواح، وتتشتّت العائلات، وتُقضى على مستقبلات، وتحدث خسائر اقتصادية هائلة — وغالبًا، إن لم يكن دائمًا، لأسباب كان يمكن حلّها بطرق أخرى. وعندما نأخذ مسافة، بعيدًا عن الانفعالات والخطابات، يتّضح أن السلام ليس مجرّد مثالٍ جميل، بل هو ضرورة إنسانية وعقلانية. لا يخرج أيّ طرف منتصرًا حقًا من الدمار؛ وحده السلام يحفظ كرامة الإنسان ومستقبل الجميع. فالحرب، في كلّ مرّة، تثبت عدم جدواها: «فقال له يسوع: رُدَّ سيفك إلى مكانه، لأنّ كلّ الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون» (متى 26:52)
في قلب هذه الحقيقة القاسية، التي تولّد للكثيرين معاناةً بمختلف أشكالها، يصبح من الضروري أكثر من أي وقت مضى أن نتوجّه نحو أحبّائنا. فالحرب تُجفّف القلوب، وتستبدل الحنان بالخوف والريبة. لكن في مثل هذه الظروف، يجب أن ينمو حبّنا لمن حولنا بقوّة أكبر. نظرة محبّة، كلمة لطيفة، أو لفتة دعم، تصبح أعمال مقاومة حقيقية في وجه القسوة المحيطة. أن نحبّ من وُكِلوا إلينا هو أن نحفظ نورًا لا يجب أن ينطفئ. ولا شكّ أنّ هذا النور سينتصر على الظلمة.
و«لا يغلبنّك الشرّ، بل اغلب الشرّ بالخير» (رومية 12:21)«حيثما وُجدت الكراهية، فلأزرع المحبّة»
لكن الدعوة المسيحية تذهب أبعد من ذلك: فهي تدعونا إلى محبّة أعدائنا، أو أولئك الذين يسيئون إلينا. قد يبدو هذا الأمر مستحيلًا أمام الألم والظلم الذي نعيشه، وغالبًا ما يسبّبه أولئك الذين، من مختلف الجهات، يجرّوننا إلى حروب لا تنتهي. غير أنّ الاستسلام للكراهية يعني الدخول في حلقة مفرغة، حيث يولّد العنف مزيدًا من العنف. إن رفض الكراهية يتطلّب شجاعة داخلية حقيقية — وهنا تكمن انتصاراتنا الحقيقية. فمحبّة الأعداء لا تعني قبول الشرّ أو التساهل معه، ولا تعني تجاهل الأخطاء أو تبريرها. بل تعني التمييز بين الإنسان والشرّ الذي يرتكبه: رفض الظلم بحزم، والاستمرار في مقاومة الشرّ بوعي وشجاعة، مع رفض إدانة الإنسان بشكل نهائي، لأنّه غالبًا ما يكون هو نفسه أسيرًا لهذا الشرّ. وهذا يتطلّب تمييزًا روحيًا عميقًا: فلا نخلط بين المحبّة والضعف، ولا بين الغفران والتساهل. «أحبّوا أعداءكم، وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم» (متى 5:44)، يقول يسوع؛ و«يجب أن نكره الخطيئة ونحبّ الخاطئ»، كما يعلّم القديس توما الأكويني
في هذا السياق، من الضروري لنا نحن اللبنانيين أن نحافظ على عطشٍ عميق للسلام — لا سلامًا شكليًا يُفرض بالقوّة أو تمليه موازين القوى، بل سلامًا حقيقيًا ودائمًا، قائمًا على العدالة وكرامة كلّ إنسان. فنحن نعرف، من خلال تجربتنا، كم أنّ السلام هشّ، وكم هو في الوقت نفسه ثمين وجميل. إنّها مسؤولية نحملها: أن نرفض أن يكون بلدنا مجرّد ساحة صراعات، وأن نعمل ليبقى مساحة لقاء، حيث لا تؤدّي التعدّدية إلى الانقسام، بل إلى وحدة أسمى. الدفاع عن هذه الرسالة لا يعني إنكار الواقع أو التوتّرات، بل رفض أن تكون لها الكلمة الأخيرة. إنّه الإيمان، رغم كلّ شيء، بأنّ السلام ممكن — وأنّه يجب أن يُراد ويُبنى ويُثبَّت
وأخيرًا، في قلب المحن، يمنحنا الإيمان رجاءً يتجاوز الظروف الحاضرة ويعطينا قوّة داخلية فريدة. إنّ الصعوبات التي نمرّ بها تساعدنا على فهم معنى الفصح وقيامة المسيح: فهي تذكّرنا بأنّ الظلمة لا تملك الكلمة الأخيرة، وأنّ الحياة والمحبّة تنتصران دائمًا. «السلام لكم!» (يوحنا 20:19) — هذه كانت أوّل كلمات يسوع لتلاميذه بعد قيامته. هذا السلام ليس مجرّد تمنٍّ، بل هو. عطية ورسالة. المسيح قام، حقًا قام. في هذا الزمن الفصحي، عسى أن يغذّي هذا الرجاء قلوبكم، ويدعوكم إلى الاستمرار في المحبّة، والغفران، والسعي إلى السلام من حولكم فصح مجيد للجميع
