رسالة الأب فرناندو أوكاريز - في التأمّل
بناتي وأبنائي الأعزّاء، ليحفظكم يسوع لي!
1. في الرسالة التي وجّهتُها إليكم في شهر آذار الماضي، اقترحتُ عليكم أن نتعمّق، بين شهر تشرين الأول من هذا العام وشهر تشرين الأول من العام المقبل، استعدادًا للاحتفال بالذكرى المئوية لتأسيس "عمل الله"، في دعوتنا إلى «أن نكون متأمّلين في قلب العالم»، وهي الدعوة التي لخّص فيها أبونا القديس خوسيماريا عناصر كثيرة من روحانية "عمل الله".[1]
إنّ دعوتنا الخاصّة تحملنا على الرغبة في عيش التأمّل في خضمّ ظروف حياتنا العادية. فـ"عمل الله" ليس طريقًا يقتصر على القيام ببعض الواجبات الدينية؛ هذا أمر مهمّ، لكنّه، في الوقت نفسه، لا يكفي. إنّ روحنيتنا تتطلّع إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير: فهي تقودنا إلى أن نرى العالم ونحبّه انطلاقًا من محبّة الله، وأن نشارك الله نظرته إلى العالم.
إنّها دعوة طموحة، لا نعتمد في الاستجابة لها على قوانا وحدها، بل على معونة الله قبل كلّ شيء. لذلك، ونحن نستعدّ للاحتفال بالذكرى المئوية لتأسيس "عمل الله"، برغبةٍ عميقةٍ في أن نعيش دعوتنا بكلّ ما تنطوي عليه من غنى، يمكننا أن نتساءل: هل أعتبر نفسي مدعوًّا إلى التأمّل؟ وهل أدرك أنّ الله يريد أن يجعلني، رغم نقائصي وصعوباتي، إنساناً متأمّلاً في قلب العالم؟ وهل أعي أنّ الله يدعوني إلى أن ألتقي به في كلّ خطوة، وفي كلّ حدث، وفي كلّ لحظة؟
2. لكي نفهم معنى التأمل، تُقدّم لنا التقاليد اللاهوتية في الكنيسة تعريفًا كلاسيكيًّا للقدّيس توما الأكويني، يقول فيه إنّ التأمّل هو «نظرة بسيطة وحدسية إلى الحقيقة، تنبع من المحبّة».[2] فالأمر لا يتعلّق بمجهود فكري محض، ولا بتأمّل نظري مجرّد، بل بنظرة مفعمة بالمودّة، وبإبصار ينبع من المحبة. وقد شرح البابا بندكتس السادس عشر ذلك قائلاً: «إن برنامج المسيحي، أي برنامج السامري الصالح وبرنامج يسوع، هو أن يكون له قلب يرى. فهذا القلب يرى أين تكون المحبة ضرورية، ويتصرّف على هذا الأساس».[3] عندما يمتلئ القلب بمحبّة الله، تتوحّد ملَكَةُ العقل والعاطفة في فعل بسيط من الرؤية. فنحن ننظر إلى ما نحبّ، وهذه النظرة تحوّل الإنسان المتأمّل تدريجيًّا.
حوار يسوع الدائم مع الآب
3. إنّ يسوع المسيح بالنسبة إلينا أكثر بكثيرٍ من مجرّد نموذج نقتدي به؛ فهو حياتنا، وهو يريد أن يعيش حياته في حياتنا. وخلال حياته على الأرض، أراد الربّ أن يبيّن لنا كيف كان في حوارٍ دائمٍ مع أبيه، وسط ظروفٍ وأماكنَ متنوّعةٍ. فنراهُ يصلّي، مثلاً، أثناء معموديته في نهر الأردن (راجع لو 3: 21)، ويبحث عن أماكنَ منعزلةٍ ليكون مع أبيه في الصمت (راجع مر 1: 35؛ لو 5: 16؛ 9: 18)، ونراه يصعد إلى جبلٍ منفردٍ (راجع متى 14: 23؛ مر 6: 46؛ لو 6: 12؛ 9: 28-29). وحتّى في آلامه، نراه يحاور الآب، بدءًا من نزاعه في بستان الزيتون (راجع متى 26: 36-44)، وصولاً إلى الصليب (راجع لو 23: 34، 46).
ومع ذلك، فإنّنا، إلى جانب الأوقات المحدَّدَة والأشكال المختلفة التي اتّخذتها صلاة يسوع،[4] نعلم أنّ حياته كلّها كانت في الحقيقة حوارًا لا ينقطع؛ حوارًا يتجلّى أيضًا في الأفعال والنظرات، وفي العمل والراحة. فصلاة يسوع «تشمل حياته كلّها، كقناةٍ خفيّةٍ تروي وجوده وعلاقاته وتصرّفاته، وتقوده بثباتٍ متزايدٍ، إلى بذل ذاته بالكامل، وفقًا لمشروع المحبّة الذي وضعه الله الآب».[5]
وكان القديس خوسيماريا يولي اهتمامًا خاصًّا للتأمّل في حياة المسيح خلال السنوات الثلاثين التي عاشها خفيّةً. فحياة يسوع ومريم ويوسف كانت حياة تأمّل، وفي الوقت نفسه حياةً عاديةً جداً، لم يتخلّلها شيء استثنائي. وكان القديس خوسيماريا يقول: «إنّ يسوع، إذ نما وعاش مثل واحد منّا، يكشف لنا أنّ الوجود البشري والعمل اليومي العادي يحملان معنى إلهيًّا. (...) إنّها سنوات خفيّة، لكنّها بالنسبة إلينا مشرقةٌ كضوء الشمس. بل هي نورٌ يشعّ في أيّامنا وينيرها، ويمنحها بُعدًا حقيقيًّا».[6]
التأمّل في حياة القديس خوسيماريا
4. وصف المرسوم المتعلّق بالفضائل البطولية للقديس خوسيماريا بأنّه «متأمّل المتجوّل». وقد أشار المرسوم إلى أنّ «أبرز سمات شخصيته لا تقتصر على مواهبه الاستثنائية كرجل أفعالٍ، بل تشمل أيضًا حياته الروحية، وتلك الخبرة في الاتحاد بالله بشكلٍ دائمٍ، التي جعلت منه متأمّلاً متجوّلاً».[7] وهذه هي الدعوة نفسها التي وُجّهت إلينا، نحن أبناءه وبناته في "عمل الله"، وجميع المقرّبين من "عمل الله": أن نكون متأمّلين متجوّلين؛ وأن نعيش في حوار مع الله وسط شوارع مدننا وصخب حياتنا؛ وأن نبقى دائمًا مع الله حيثما كنّا، في بيوتنا وأماكن عملنا ومحيط حياتنا اليومية.
وكان القديس خوسيماريا يصلّي قائلاً: «يا يسوع، اجعل شرودي في الصلاة شرودًا معكوسًا: فبدلاً من أن أتذكّر العالم عندما أتحدّث إليك، اجعلني أتذكّرك أنت حين أتعامل مع أمور العالم».[8] كان مؤسّسنا يسعى إلى اكتشاف حضور الله وراء كلّ ما يحدث، ويحاول أن يستشفّ حضوره في خضمّ ما يبدو، للوهلة الأولى، دنيويًّا بحتًا. وكان يريد أن يكتشف قصيدةً، بل «أبيات شعريةً»[9]، في الأعمال التي قد تبدو عديمة الأهمية أو تافهة.
5. رأى القديس خوسيماريا تأكيدًا إلهيًّا لهذه الدعوة في الصلاة العميقة التي عاشها وسط صخب العالم: حين كان يقرأ الصحيفة، أو يستقلّ القطار الكهربائي، أو يتنقّل في مدينةٍ كبيرةٍ صاخبة. وهي ظروف لا تختلف، في جوهرها، عن ظروف كثيرة نعيشها نحن في حياتنا اليومية.
كتب ذات مرّةٍ: «أريد أن أعترف بأمرٍ غير مألوف، وهو أنّ يسوع غالبًا ما يمنحني نعمة الصلاة خلال قراءتي للصحيفة».[10] وبعد أيّام قليلة، كتب أمرًا مشابهًا: «ذهبتُ يوم السبت الماضي إلى الحديقة العامة (...) وحاولتُ قراءة الصحيفة. لكنّ الصلاة كانت تندفع بقوّةٍ كبيرةٍ، حتّى إنّني كنتُ مضطرًّا، خلافًا لإرادتي، إلى ترك القراءة. وعندئذٍ، كم من أفعال المحبّة والتسليم وضع يسوع في قلبي وعلى شفتيّ!»[11] كما دوّن اختباره في الصلاة وسط حركة المرور اليومية، قائلاً: «لقد عشتُ أسمى لحظات الصلاة (...) وأنا أستقلّ القطار الكهربائي، ثم أتجوّل في شوارع مدريد، متأمّلاً هذه الحقيقة الرائعة: الله هو أبي».[12] وفي هذا اليوم نفسه الذي أوجّه إليكم فيه هذه الرسالة، تحلّ الذكرى الخامسة والتسعون لهذا الاختبار.[13]
وفي النصف الثاني من القرن العشرين، حدث له أمرٌ مشابهٌ أثناء زيارته الأولى لمدينة لندن، إحدى العواصم الكبرى المتعدّدة الثقافات في العالم. وقد روى قائلاً: «حين تأمّلتُ في ذلك المشهد، شعرتُ بالحيرة وبالعجز وبعدم القدرة: يا خوسيماريا، لا تستطيع أن تفعل شيئًا هنا. وكنتُ على حقّ؛ فأنا وحدي لن أحقّق أيّ نتيجة، ومن دون الله لن أتمكّن من رفع قشّة واحدة عن الأرض (...). وفجأة، وسط أحد الشوارع التي كانت تعبرها جموع من الناس القادمين من مختلف أنحاء العالم، شعرتُ في أعماق قلبي بفاعلية قوّة الله: أنت لا تستطيع شيئًا، أمّا أنا فأستطيع كلّ شيء».[14]
هذا هو الطريق الذي يدعونا الروح القدس إلى سلوكه من خلال القديس خوسيماريا: أن نسير في الحياة واثقين من أنّنا أبناء الله المحبوبون، وأن نستمدّ من هذه البنوّة القوّة والثبات، فنعيشَ كلّ شيء معه ونتشاركه معه؛ أو، بتعبير المعلّم الذي ترك أثراً لا يُمحى في قلب تلميذه الحبيب، أن نثبت فيه.[15]
في عالم تسوده السرعة
6. تشير التحليلات التي تتناول العالم المعاصر إلى وجود نزعة متزايدة في مجتمعنا نحو النشاط المحموم، بحيث يُكرّس الإنسان حياته للعمل وحده. ويبدو أنّ جهود كثيرين تنصبّ بصورة شبه حصرية على زيادة الإنتاجية، سعيًا إلى تحقيق الرفاه من خلال تراكم الموارد المادية والخبرات والمكانة الاجتماعية وغيرها. ويُضاف إلى ذلك تأثير التكنولوجيا، التي بات حضورها فاعلاً في معظم مجالات الحياة. فعندما لا تُستخدم بحكمة، يمكنها أن تعزل الإنسان، وتعرقل التواصل مع الآخرين، بل أن تجعل انفتاحنا على الإصغاء إلى الله وإلى القريب أكثر صعوبة. ولذلك، يتحدّث البعض عن أزمة حقيقية في القدرة على التعمّق الداخلي والانتباه، مع أنّ هاتين القدرتين ضروريتان للحياة الداخلية ولمحبة الآخرين. فالقدرة على الانتباه تتشتّت بسبب اهتمامات كثيرة تتنافس فيما بينها للاستحواذ عليها. وكما أشار البابا لاون الرابع عشر مؤخرًا: «لقد أصبحت التقنيات الجديدة بيئة اصطناعية تُختبَر فيها خياراتنا الأساسية».[16]
7. في مواجهة هذا الواقع، يسعى قسمٌ كبيرٌ من عالم اليوم إلى إيجاد سبلٍ تمنح الإنسان فسحةً من الراحة، وتضفي على حياته معنى يتجاوز النشاط المحموم. وقد يفسّر ذلك، ولو جزئيًّا، الاهتمام بالأمور «الروحية» الذي نلاحظه في بعض البلدان منذ عقود. فالمبادرات في هذا المجال تتزايد، لكنّها تبقى في كثيرٍ من الأحيان جزئية، لأنّها لا ترقى عمومًا إلى ملء الحياة البشرية والفائقة الطبيعة الذي يقدّمه لنا يسوع المسيح.
وبينما لا تتجاوز بعض المقترحات حدود الضمانات المادية الهشّة أو الرفاه بمفهومه الدنيوي، «نرى في الوقت نفسه علامات كثيرة تدلّ على يقظة الحسّ الديني، واكتشاف أهمية الله من جديد في حياة الإنسان، وظهور حاجة إلى الروحانية وإلى تجاوز النظرة الدنيوية والمادية البحتة للحياة البشرية».[17] ولعلّنا جميعًا لمسنا حولنا هذا العطش الروحي، الذي يتوق إلى اكتشاف التأمّل في حضور الله ورفقته وسلامه.
8. دعا القديس خوسيماريا جميع المسيحيين إلى أن يكونوا «نفوسًا مصلّية»، أي نفوسًا متأمّلة في قلب العالم. وقد عبّر عن ذلك بكلمات تصلح لكلّ عصرٍ، حتّى في زمننا الذي يتّسم بتزايد العلمنة والتطوّر التكنولوجي المتسارع: «ما دمتُ أتنفّسُ، فلن أكفَّ عن التبشير بالحاجة الأساسية إلى أن تكون النفس مصلّية دائمًا، في كلّ مناسبةٍ وفي أكثر الظروف اختلافًا، لأنّ الله لا يتخلّى عنّا أبدًا (...). وبفضل هذا السعي إلى الربّ، يتحوّل يومنا كلّه إلى حوارٍ حميميٍّ واثقٍ معه. لقد أكّدتُ ذلك وكتبتُ عنه مرارًا، لكنّني لا أمانع في تكراره، لأنّ ربّنا يبيّن لنا، بمثاله، أنّ هذا هو السلوك الصحيح: الصلاة الدائمة، من الصباح إلى المساء، ومن المساء إلى الصباح».[18] والواقع أننا نعيش في ظروف مواتية جدًّا لنقل هذه النظرة إلى الحياة، فالعالم نفسه يطالبنا بها.
في العام الماضي، خلال عظة القداس الذي أُقيم بمناسبة الذكرى الليتورجية للقديس خوسيماريا، أشرتُ إلى أنّ «عطشنا إلى اللامتناهي يتجلّى بطرائق كثيرة، وإن لم تكن كلّ السبل التي نحاول من خلالها إرواءه قادرةً على إشباع القلب. ولعلّنا اختبرنا كيف أضعنا الوقت في السعي إلى سعادة تقوم حصرًا على الخيّرات المادية أو النجاح أو الراحة. لكنّنا نعلم، في المقابل، أنّ الله وحده يمنح جميع حقائق الحياة معناها، ويُشبع رغبات قلوبنا».[19] وأمام هذا العطش إلى الروحانية، وهذا التوق إلى الله الكامن في أعماق قلب كلّ إنسان، حتّى أولئك الذين يبدون أبعد الناس عن الكنيسة، تزداد الحاجة إلى إعلان دعوة الله إلينا بأن نكون متأمّلين في قلب العالم.
«وجهك يا ربّ ألتمس!»
9. إنّ أعمقَ ديناميكية للمحبّة تكمن في البحث عن المحبوب. فالذي يحبّ لا يكتفي بمعرفةٍ سطحيةٍ بالمحبوب، ولا بمجرد الإحاطة ببعض المعلومات عنه؛ بل يتوق إلى التأمّل في وجهه، والبقاء في حضرته، والإصغاء إلى صوته. وتتميّز الصلاة المسيحية الأصيلة بذلك الأنين البنوي الذي نسمعه في المزمور: «إيّاك يا ربّ ألتمس!» (مز 27 [26]: 8)
لقد عاش أبونا هذا البحث المتّقد عن وجه المسيح في قلب الحياة العادية، وعلّمنا كيف نسلك الطريق نفسه. وفي إحدى عظاته، وانطلاقًا من خبرته الشخصية، شرح كيف يشعر مَن يحبّ الله بحاجةٍ لا تقاوم إلى البحث عنه باستمرار: «تبدأ بصلاةٍ قصيرةٍ، ثم أخرى، ثم أخرى... إلى أن يبدو هذا الحماس غير كافٍ، لأنّ الكلمات تعجز عن التعبير عمّا في القلب... وعندئذٍ يُفسح المجال للألفة الإلهية، حيث نتأمّل الله بلا انقطاع ولا تعب. فنعيش عندئذٍ كما لو كنّا أسرى، أو سجناء. وبينما نؤدّي، بأكبر قدر ممكن من الإتقان، وفي حدود أخطائنا ونقائصنا، المهام التي تقتضيها حالتنا ومهنتنا، تتوق النفس إلى التحليق. فتتوجّه نحو الله كما ينجذب الحديد إلى قوّة المغناطيس. وهكذا نبدأ نحبّ يسوع حبًّا أعمقَ وأكثر فاعليةً، مع خفقةٍ حلوةٍ في القلب».[20]
إنّ النفس التي تبحث عن وجه الربّ في حياتها اليومية تكتشف أنّ هذه الحياة نفسها هي مكانٌ مميّز للقاء به. فالتأمّل ليس حكرًا على قلّة من أصحاب المعرفة الروحية، ولا غايةً لا يبلغها إلا الذين يعتزلون العالم. إنّ الرغبة في رؤية الله تتجسّد في صميم الأنشطة اليومية. فنحن نلتقي بالربّ في مكان العمل، وفي رعاية الأسرة، وفي العلاقات الاجتماعية، وحتى في أوقات الراحة. والمحبّة تقودنا إلى اكتشاف نظرة المسيح المتأمّلة فينا، وتدعونا إلى أن نجيبه بنظرتنا إليه.
رؤية الله في كلّ شيء
10. إنّ هذه النظرة المفعمة بالمحبّة تغيّر فهمنا للواقع تغييرًا عميقًا. فنبدأ نرى أسبابًا للشكر والتسبيح حيث كنّا لا نرى من قبل سوى المشكلات؛ ونبدأ نلمس عناية الله الدائمة حيث كنّا نظنّ أنّنا متروكون لمصيرنا؛ ونبدأ نحاوره حيث كنّا لا نفعل سوى الاسترسال في حوارنا الداخلي مع أنفسنا. «أينما كنّا، وسط ضجيج الشوارع وانشغالات البشر، في المصنع أو الجامعة أو الحقل أو المكتب أو المنزل، سنجد أنفسنا في تأمّلٍ بنويٍّ بسيطٍ، وفي حوارٍ دائمٍ مع الله. فكلّ شيء، الأشخاص والأشياء والمهام، يكون لنا فرصةً وموضوعًا لمحادثةٍ متواصلةٍ مع الربّ».[21]
إنّ الإيمان يفتح أعيننا لكي ندرك حضور الله الفاعل على الدوام، هنا والآن. وهكذا نكتشف القيمة التي لا تُقدّر بثمنٍ لكلّ لحظةٍ ولكلّ ظرفٍ، عالمين أنّنا في كلّ حين موضوع محبّة الآب اللامتناهية. كما نتعرّف إلى عنايته الإلهية في أحداث كلّ يومٍ، صغيرها وكبيرها. وتصبح الأفراح والأطراح والنجاحات والصعوبات «مادّةً أوليةً» ومجالاً للحوار مع الربّ. فلا شيء محايدٌ، ولا شيء يخلو من قيمة فائقة الطبيعة، متى أُنجز بدافع المحبّة وبالرغبة في الخدمة ومساندة الآخرين.
رفع النظر إلى السماء وأقدامنا ثابتة على الأرض
11. ثمّة خطر في الخلط بين الحياة الروحية والهروب العاطفي من الواجبات اليومية، أو الاحتماء بالمُثُل المجرّدة. لكنّ التأمّل المسيحي الأصيل متجذّرٌ في سرّ التجسّد. فالله لا يطلب منّا أن نحدّق في الغيوم حالِمين أحلامًا لا تُثمر، بل أن نرفع أعيننا إلى السماء من خلال واقع حياتنا وما بين أيدينا من أعمال، وكذلك من خلال المفاجآت والعقبات التي تعترضنا كلّ يومٍ، وهي من السمات الملازمة للحياة العادية.
وإلى جانب الأوقات الضرورية المخصّصة للصلاة والخلوة الداخلية، يشكّل العمل المُتقَن، والاهتمام بالأسرة، والالتزام بالمجتمع، وعلاقات الصداقة، مساحات نلتقي فيها بالله ونتأمّله. وقد عبّر القديس خوسيماريا عن ذلك بحماسٍ في عظته «أن نحبّ العالم بشغف»، فقال: «ليس أمامنا طريق آخر، يا أبنائي: فإمّا أن نعرف كيف نجد الربّ في حياتنا العادية، وإمّا ألّا نجده أبدًا. لذلك أستطيع أن أقول لكم إنّ عصرَنا يحتاج إلى أن نعيد إلى المادّة وإلى الظروف التي قد تبدو مبتذلةً معناها النبيل والأصيل، وأن نضعها في خدمة ملكوت الله، وأن نضفي عليها بُعدًا روحيًّا، فنجعل منها وسيلةً وفرصةً للقاءٍ دائمٍ بيسوع المسيح».[22]
وخلاصة القول، إنّ التأمّل لا يعفينا من مسؤولياتنا الأرضية، بل على العكس، يدفعنا إلى القيام بها بجدٍّ ومحبّةٍ، لأنّنا ننظر إليها ونحبّها مع الله ومن منظاره. ولهذا تحديدًا، كان أبونا يتحدّث عن «أن نعيش كلّ لحظةٍ بروح الأبدية».[23]
12. إنّ النفس التي ذاقت حلاوة الحضور الإلهي تختبر توتّرًا مقدّسًا: فمن جهّةٍ، تتوق إلى الاتحاد الكامل بالله في السماء؛ ومن جهّةٍ أخرى، تعي الرسالة التي أوكلها الربّ إليها في العالم. وقد وصف القديس خوسيماريا هذه الحالة الداخلية، حيث تتحوّل الصلاة التأمّلية القائمة على التفكير والتعبير بالكلمات إلى تأمّل أكثر هدوءًا وعمقًا، قائلاً: «تعجز الكلمات عن التعبير عمّا في القلب... فيُفسَح المجال للألفة الإلهية، حيث نتأمّل في الله بلا انقطاعٍ ولا تعبٍ... فلا نعود نسترسل في التفكير، بل ننظر! وعندئذٍ تعود النفس إلى الترنّم، بترنيمة جديدة، لأنّها تشعر وتعلم أيضًا أنّ الله ينظر إليها بمحبّةٍ، في كلّ ساعةٍ».[24]
إنّ هذا التأمّل لا يفصلنا عن الزمن الحاضر، بل يقرّبنا منه أكثر. فبنعمة الله، نختبر تلك المفارقة المفرحة المتمثّلة في أن نكون «في السماء وعلى الأرض في آن واحد». تكون أقدامنا راسخةً على الأرض، فنحمل همومَ معاصرينا ومتاعبهم وتطلّعاتهم، بينما يبقى قلبنا وعقلنا متجذّرَيْن في «تيّار المحبّة الذي يشكّل سرّ الله الواحد والثالوث».[25]
وقد عبّر القديس أغسطينوس عن هذا الانتماء المزدوج إلى العالم وإلى السماء بوضوحٍ خاصٍّ، فقال: «إنّ عواطفك هي درجات السلّم، وإرادتك هي الطريق. بالمحبّة تصعد، وبالإهمال تنحدر. إذا أحببت الله، كنت في السماء ولو كنت على الأرض. فالقلب لا يرتفع كما يرتفع الجسد؛ إذ يتطلّب رفع الجسد تغيير مكانه، أمّا رفع قلبك فيتطلّب تغيير إرادتك».[26]
الوقت قصير
13. إنّ الطابع العلماني لدعوتنا في العمل لا يجعلنا نغفل عن غايتنا النهائية. فنحن نسير في التاريخ، عالمين أنّ وطننا الأبدي هو السماء (راجع فيل 3: 20). وإنّ وعينا بمرور الزمن يطبع حياتنا على المحبّة. فالقديس بولس ينبّهنا قائلاً: إنّ الوقت قصير! (1 كو 7: 29) وليس المقصود بهذا التفكير أن نعيش في قلقٍ، بل أن يكون حافزًا لنا كي نغتنم بهدوء كلّ فرصةٍ يمنحنا الله إيّاها لنثمر في المحبّة.
كان القديس خوسيماريا غالبًا ما يتأمّل في هذه الحقيقة ليشجّعنا على بذل الذات السخيّ والمفرح، قائلاً: «إنّ الوقت قصير! (1 كو 7: 29)، ما أقصر مدّة إقامتنا على الأرض! (...) إنّ وقتنا قصيرٌ حقًّا لكي نحبّ ونعطي ونعوّض عمّا أُسيء إلى الله فيه. لذلك، ليس من الصواب أن نهدره، أو أن نرمي هذا الكنز من النافذة بطيشٍ؛ فلا يجوز لنا أن نبدّد هذه المرحلة من العالم التي يأتمن الله كلاً منّا عليها».[27]
إنّ الوقت هو الوزنة التي وضعها الربّ بين أيدينا لكي نقدّسها. فكلّ ساعة عملٍ، وكلّ لفتة محبّةٍ، وكلّ التفاتةٍ صغيرةٍ إلى احتياجات الآخرين، هي بمثابة قطعة من الأبدية. وعندما نتأمّل الغاية النهائية في المجد السماوي، نفهم أنّ المحبّة التي نضعها في أعمالنا اليومية، صغيرةً كانت أم كبيرةً، هي وحدها التي ستبقى إلى الأبد.
التأمّل عطية من الله
14. من المهمّ أيضًا أن نتذكّر أنّ التأمّل ليس مجرّد نتيجة لتقنيات بشرية أو لأساليب نفسية تساعد على التركيز. فالتأمّل، قبل كلّ شيءٍ، عطيةٌ مجّانيةٌ من الله، ونعمةٌ يمنحها الروح القدس للقلوب المتواضعة والمنفتحة على عمله. وقد قالت القديسة تريزا: «هذا أمرٌ يمنحه الله».[28]
لذلك، يتطلّب التأمّل موقفًا من الثقة والتسليم البنوي لله. ومن المناسب أن نطلب من الربّ النور الضروري لكي نرى الأشياء كما يراها هو. وهكذا كان القديس خوسيماريا يصلّي قائلاً: «يا ربّ، اجعلني أرى بعينَيْك، يا مسيحي، يا يسوع نفسي»؛ أي اجعلني أنظر إلى العالم والأشخاص والأحداث بنور حقيقتك وحنان قلبك. وتضرّع إلى الربّ في مناسبة أخرى: «يا ربّ، اجعلني أرى! ولتمتلئ ملَكَة عقلي نورًا، ولتنفُذ كلمة المسيح إلى ذهني، ولتترسّخ حياته في نفسي، حتى تحوّلني استعدادًا للمجد الأبدي».[29]
15. على الرغم من أنّ التأمّل عطيةٌ لا تستطيع القوى البشرية وحدها بلوغها، فإنّه يتطلّب منّا استجابة فعّالة. فنحن نعلم أنّ النعمة لا تلغي الطبيعة البشرية، بل تكمّلها. ولهذا، فإنّ الطريق إلى الحياة التأملية يتطلّب جهادًا هادئًا، ولكن مستمرًّا.
أوّلاً، لا بدَّ من الأمانة للصلاة الذهنية اليومية. فنحن بحاجةٍ إلى أوقاتٍ نخصّصها حصرًا للقاء بالله على انفراد، حيث نتعلّم الإصغاء إلى صوته ومواءمة إرادتنا مع إرادته. في الصلاة الذهنية، تتجدّد النفس وتكتسب النبرة الروحية الضرورية للمحافظة على حوارٍ دائمٍ مع الله، كثيرًا ما يكون من دون كلمات، طوال بقية اليوم. ويذكّرنا التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية بهذه الحقيقة: «لا يمكن الصلاة “في كلّ حين” ما لم نصلِّ في بعض الأوقات بتكريسٍ خاصّ؛ فهذه هي أوقات الصلاة المسيحية المكثّفة، من حيث شدّتها ومدّتها».[30]
ثانياً، علينا أن نعمل على تنمية الوعي بحضور الله طوال اليوم. وإلى جانب طلب عطية الصلاة غير المنقطعة من الربّ، توجد وسائل بشرية تساعد على التهيّؤ لها وتحقيقها خلال النهار، منها: السعي إلى إيجاد لحظات من الصمت، والتحلّي بالقوة اللازمة للاستمرار في نشاطٍ واحدٍ، والمثابرة في العمل المتواصل، والتواضع في الإصغاء، والتواصل مع الطبيعة، والانفتاح على الصداقة الحقيقية، وغيرها من السبل. وكما يدعونا الربّ إلى التفكير في الإنجيل، فإنّ إعداد أرض قلوبنا لاستقبال النعمة التي يقدّمها لنا الله باستمرار وإثمارها يقع بين أيدينا (راجع متى 13: 1-23). وقد شجّعنا البابا لاون الرابع عشر مؤخَّرًا على «تعزيز ثقافةٍ سليمةٍ للانتباه، تقوم على إيقاعات تتضمّن الصمت والدراسة المتأنّية والقراءة والتحليل المتبصّر؛ فمن دون هذه العناصر، قد تتعرّض الحرية الداخلية للخطر».[31] ومعها، قد تتعرّض قدرتنا على الصلاة للخطر أيضًا.
16. حذّرنا القديس خوسيماريا من وهم الذين ينتظرون بلوغ النضج الروحي بدون جهدٍ. فمرور السنوات وحده لا يجعل الإنسان أكثر كمالاً، إذ يقول: «السنوات لا تمنح الحكمة ولا القداسة».[32] إنّ ما يمنحنا الحكمة والقداسة هو الاستجابة المتواضعة والمثابرة لنعمة الله. ولذلك، ينبغي أن نجاهد كلّ يومٍ في الأمور الصغيرة، من دون كللٍ، عالمين أنّ القداسة لا تعني ألّا تكون لدينا نقائص، بل أن نبدأ من جديد دائمًا بتواضعٍ، ونحن واثقين أنّ الله يحملنا ويعضدنا. وهذا الجهاد اليومي ليس توتّرًا جامدًا، ولا ينبغي أن يكون كذلك، بل هو جهدٌ محبٌّ وواثقٌ يبذله الابن الذي يريد أن يتيح لأبيه السماوي أن يلتقي به، ويعلم أنّ أباه يفرح به أيضًا حتى لو تعثّر أو أخطأ، رغم حسن نيّته.
طوبى لأنقياء القلوب
17. تشير التطويبة الإنجيلية إلى شرط أساسي للتأمّل: «طوبى لأنقياء القلوب، فإنّهم يعاينون الله» (متى 5: 8). ولا يقتصر نقاء القلب على فضيلة العفّة وحدها، وإن كانت العفّة جزءًا لا يتجزّأ منه. فنقاء القلب يعني تحرّر النفس داخليًّا من كلّ تعلّقٍ غير منظّمٍ بحبّ الذات، أو الثروات، أو النجاح الشخصي، أو الآراء الخاصة. إنّ القلب النقيّ هو قلبٌ صافٍ وحرٌّ، مستعدٌّ لمحبّة الله والآخرين. أمّا الإنسان الذي يمتلئ بذاته وأحكامه الشخصية وأنانيّته، فلا يستطيع رؤية الله، لأنّ رؤيته الروحية تصبح محجوبة.
ومن هنا نفهم الأهمية الخاصّة التي تكتسبها فضيلتا العفّة والفقر في تحرير القلب. فالخبرة الروحية المشتركة تؤكّد ضرورة كلتيهما في طريق القداسة. وقد عبّر القديس خوسيماريا عن ذلك في ملاحظات دوّنها عام 1932، ثم أدرجها في كتاب الطريق، قائلاً: «يا يسوع، انزع عن قلبي تلك القشرة المتعفّنة من الفساد الحسّي التي تغطّيه».[33] وكتب أيضاً عن الفقر: «إذا كنت رجل الله، فابذل في احتقار الثروات الجهد نفسه الذي يبذله أهل العالم في امتلاكها».[34] ولا يعني ذلك بأيّ حالٍ من الأحوال احتقار ما خلقه الله، بل هو دعوة إلى النظر إلى الأشياء بواقعيةٍ ومن دون سذاجةٍ، مدركين أنّنا قد نفقد حريّتنا بسهولة إذا تعلّق بها قلبنا تعلّقًا غير منظّم. ولكي نكون متأمّلين في قلب العالم، علينا أن نعتني بهذين المجالين بعنايةٍ فائقةٍ في فحص ضميرنا، وأن نتّخذ تدابير حازمة إذا كانت الصعوبات التي نواجهها كبيرة.
18. إنّ أحد الأمور التي تساعدنا على تطهير القلب من التعلّقات غير المنظّمة هو الإماتة والتوبة، داخليًّا وخارجيًّا. ولهذا، كان القديس خوسيماريا يرى في الإماتة طريقًا لاكتساب «السيادة على الأشياء الأرضية».[35] والمقصود بذلك أن نكون أحرارًا حقًّا، وأسيادًا لأنفسنا، لكي نتوجّه بسهولةٍ ويسرٍ إلى الله وإلى الآخرين من خلال ما سمّاه، بتعبيرٍ تصويريِّ، «صلاة الحواس».[36] وفي مسيرة التوبة هذه، الضرورية لتطهيرنا ولعيش التأمّل، من المهمّ ألّا نغفل عن أنّ المحبّة يجب أن تكون الدافع إلى كلّ شيءٍ، لأنّ «الإماتة لا قيمة لها من دون المحبّة».[37]
رؤية الله في الآخرين
19. إنّ الحياة التأمّلية لا تحبس المسيحي في انطواءٍ فرديٍّ على ذاته. بل على العكس، إنّ التأمّل الحقيقي يوسّع القلب ويفتح العينين على الإخوة. فالذي يتعلّم رؤية الله في الصلاة يتعلّم أيضًا اكتشاف صورته وحضوره في الأشخاص المحيطين به.
ويذكّرنا القديس خوسيماريا بأنّنا لا نستطيع الفصل بين محبة الله ومحبة الآخرين. فالمودّة تجاه أهلنا، والتفهّم تجاه زميل العمل، والمحبّة تجاه المحتاج، والصداقة الحقيقية مع الأصدقاء، كلّها أمور ينبغي أن تتجلّى فيها محبة الله وتحوّلها. فليس لدينا قلبٌ لنحبّ الله وآخرٌ لنحبّ المخلوقات، بل إننا نحبّ بقلبٍ واحدٍ.[38]
وتُختبر أصالة تأمّلنا في نوعية محبّتنا الأخوية. فاللطف في التعامل مع الآخرين، واحترام حريّتهم، وروح الخدمة المفرِحَة، والقدرة على الإصغاء، كلّها علامات ملموسة على حياة صلاةٍ صادقةٍ، تُظهر وعينا إلى أنّ الله ينتظرنا في الآخرين (راجع متى 25: 40).
كأبناءٍ محبوبين
20. إنّ أساس روحانيتنا هو الوعي المفرح ببنوّتنا الإلهية. فنحن حقًّا أبناء الله في المسيح، ومن هذه البنوّة تنبع مباشرة الأخوّة الإنسانية والمسيحية الحقيقية. وعندما ندرك أنّنا أبناء الآب نفسه، ننظر إلى الآخرين باعتبارهم «أبناء الله المحبوبين». ونفهم كرامة كلّ إنسانٍ حين نراه مخلوقًا على صورة الله. وعلى وجه التحديد، ينبغي أن يدفعنا إدراك قيمة كلّ نفسٍ إلى محبّةٍ صادقةٍ. فكلّ إنسانٍ تساوي قيمته دم المسيح كلّه. وهذه الحقيقة تحرّرنا من الحكم على الآخرين بحسب مظاهرهم أو نقائصهم، وتدفعنا إلى أن نحبّ بعضنا بعضًا بصدقٍ، بالأعمال وبالحقّ.
وعندما نتأمّل سرّ الفداء، نفهم بصورةٍ أفضل أنّ محبّتنا للآخرين لا يمكن أن تكون انتقائية أو مشروطة. فالمحبّة تقتضي تجاوز الأحكام المسبَقة والاختلافات في الطباع أو العقليات، والسعي دائمًا إلى ما يجمعنا وبناء جسور التواصل والوحدة. وفي الحياة المشتركة اليومية، التي لا تخلو من محدودية الإنسان وضعفه، تتجلّى المحبّة المتأمّلة بصورةٍ مميّزةٍ في الصبر والتفهّم والغفران.
21. إنّ مَن يعرف أنّه نال مغفرة الله لا يستطيع أن يحتفظ في قلبه بالضغائن أو الاستياء. وقد ترك لنا القديس خوسيماريا تعليماً لا يُنسى عن الغفران، نابعًا من خبرته الشخصية وحياته العميقة في الصلاة، إذ قال: «لم أحتجْ إلى تعلّم الغفران، لأنّ الربّ علّمني أن أحبّ».[39] فالتفهّم والمحبّة الحقيقية يقتضيان دائمًا أن نعرف كيف نعذر الآخرين، وكيف نغفر لهم، وألّا نحتفظ بسجلٍّ للأذى الذي تعرّضنا له. والتفهم يتجاوز مجرّد التسامح؛ فهو يعني أن نضع أنفسنا مكان الآخر، وأن نعذره على أخطائه، وأن نساعده برفقٍ على تجاوزها.
إنّ الغفران ليس ضعفًا، بل هو أسمى تعبيرٍ عن قوّة المحبّة المسيحية. فعندما يغفر المسيحي الإساءة، صغيرةً كانت أم كبيرةً، يعكس في العالم وجه الله الرحيم. وفي عالمٍ تمزّقه الانقسامات والصراعات، نحن جميعًا، تلاميذ المسيح، مدعوّون بطريقةٍ أو بأخرى إلى أن نكون زارعي سلامٍ وفرحٍ، وأن نبدّد ظلمات الكراهية بنور الإيمان وقوّة المحبّة.
متعطّشون إلى النفوس
22. «إنّ القداسة، عندما تكون حقيقية، تفيض من الوعاء لتملأ قلوبًا ونفوسًا أخرى من هذا الفيض الغامر».[40] ومن هنا، فإنّ التأمّل في قلب العالم يولّد، بصورةٍ طبيعيةٍ، حماسةً رسوليةً شديدةً. فلا يمكن للإنسان أن يدرك محبّة الله للبشرية من دون أن يشعر برغبةٍ ملحّةٍ في مشاركة الجميع هذه المحبّة.
تنظر النفس المتأمّلة إلى العالم بعينٍ رسوليةٍ. فهي لا تكتفي بالأسف على صعوبات العصر أو العقبات التي تضعها أحيانًا المجتمعات التي ابتعدت عن الله، بل تكتشف في كلّ ظرفٍ فرصةً لإيصال نور الإنجيل. ونظرتها إلى العالم هي نظرة رجاءٍ ورحمةٍ عميقةٍ تجاه الذين يسيرون في الحياة من دون هدايةٍ واضحةٍ، وهي واعيةٌ بأنّهم، رغم كلّ شيءٍ، قد يكونون أفضل منها (راجع متى 21: 31).
23. لخّص القديس خوسيماريا العلاقة بين التأمّل والخدمة الرسولية بهذه الكلمات: «إنّ الحياة الداخلية تعني النموّ في الاتحاد بالمسيح، من خلال الخبز والكلمة. أمّا الحماسة للخدمة الرسولية فهي التعبير الدقيق والضروري عن الحياة الداخلية».[41] وهكذا نفهم أنّ حياة الصلاة، عندما تكون أصيلة، لا تنطفئ في أنانية الراحة الروحية، بل تصبح نارًا تحرق وتلهب وتدفع إلى الخدمة الرسولية. فبالنسبة إلى المسيحي، ليست الخدمة الرسولية عملاً إضافيًّا أو نشاطًا يمارسه في أوقات الفراغ، بل هي حاجة حيوية إلى نقل الحقيقة والمحبّة اللتين تملآن نفسه إلى الآخرين.
وقد كتبتُ إليكم قبل سنوات قائلاً: «نحن لا نقوم بالخدمة الرسولية فحسب، بل نحن رسل!»[42] وانطلاقاً من هذه الفكرة، يمكننا القول إنّنا لا نمارس التأمّل بين الحين والآخر، بل نحن متأمّلون. فالتأمّل ليس نشاطًا نخصّص له بعض الأوقات إلى جانب سائر أنشطتنا، بل هو أسلوب في الوجود وفي النظر إلى الحياة، في الله ومن منظاره، يطبع كلّ ما نفعله ونعيشه ونشعر به. ولهذا، فإنّ التأمّل والعمل والأخوّة والخدمة الرسولية هي أبعادٌ لحياةٍ مسيحيةٍ واحدةٍ. فعندما نتأمّل الله في الصلاة، نكتشفه في العمل، ونحبّه في إخوتنا، ونعلن البشارة به للعالم أجمع بفرحٍ.
* * *
24. في ختام هذه الرسالة، أودّ أن أوجّه نظري إلى مريم العذراء الفائقة القداسة، معلّمة التأمّل في الحياة العادية. ففي بيت الناصرة، وسط أبسط الأعمال المنزلية، كانت مريم تتأمّل ابنها. وقد كتب القديس يوحنّا بولس الثاني: «إنّ مريم تعيش وعيناها شاخصتان إلى المسيح، وتحفظ في قلبها كلّ كلمةٍ من كلماته: “وكانت مريم تحفظ جميع هذه الأمور وتتأمّلها في قلبها” (لو 2: 19؛ راجع أيضاً الآية 51). لقد رافقت ذكرياتُ يسوع، المنطبعةُ في نفسها، مريمَ في كلّ حين، وقادتها إلى استعادة أحداث حياته المختلفة مع ابنها في فكرها. وهذه الذكريات هي التي شكّلت، بمعنى من المعاني، “المسبحة الوردية” التي كانت تردّدها باستمرار طوال أيام حياتها على الأرض».[43]
فلنطلبْ من أمّنا مريم أن تساعدنا على سلوك هذا الطريق نحو الذكرى المئوية، وعينَا عقلنا وقلبنا شاخصتان إلى يسوع، ساعين، على الرغم من ضعفنا الشخصي، إلى أن نكون شهودًا أمناء لمحبّة المسيح في قلب العالم.
بكامل محبّتي، أبارككم
أبوكم

روما، 16 تشرين الأول 2026
المراجع
[1] الرسالة، 19 آذار 2026.
[2] راجع: القديس توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتية، القسم الثاني من القسم الثاني، السؤال 180، المقالة 3.
[3] بندكتس السادس عشر، الله محبة (Deus caritas est)، رقم 31.
[4] راجع: التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، الأرقام 2598-2616.
[5] بندكتس السادس عشر، مقابلة عامة، 30 تشرين الثاني 2011.
[6] عندما يمرّ المسيح (Es Cristo que pasa)، رقم 14.
[7] المرسوم المتعلّق بالفضائل البطولية لخادم الله خوسيماريا إسكريفا دي بالاغير، 9 نيسان 1990.
[8] المصهر (Forja)، رقم 1014.
[9] حوارات (Conversaciones)، رقم 116.
[10] ملاحظات شخصية، رقم 618، 26 شباط 1932.
[11] المرجع نفسه، رقم 619، 29 شباط 1932.
[12] تعليمات حول عمل القديس جبرائيل، رقم 22، الحاشية 28.
[13] المقصود تحديداً 16 تشرين الأول 1931. راجع: أ. فاسكيث دي برادا، مؤسّس أوبس داي، المجلد الأول، ص 389. وعاد القديس خوسيماريا إلى التأمل في تلك اللحظة بعد سنوات، فكتب: «كنت أتأمّل، مستنيراً بأنوار لم تكن منّي، تلك الحقيقة المذهلة التي بقيت متّقدة في نفسي كجمرة، لكي لا تنطفئ أبداً» (رسالة 15، رقم 41).
[14] تأمل، 2 تشرين الثاني 1958، نقلاً عن أ. فاسكيث دي برادا، مؤسّس أوبس داي، المجلد الثالث، ص 344.
[15] راجع، مثلاً: يو 15: 4 وما يليها؛ 1 يو 2: 6 وما يليها؛ 1 يو 4: 12 وما يليها.
[16] لاون الرابع عشر، خطاب، 6 حزيران 2026.
[17] بندكتس السادس عشر، مقابلة عامة، 11 أيار 2011.
[18] أحبّاء الله (Amigos de Dios)، رقم 247.
[19] عظة، 26 حزيران 2025.
[20] أحبّاء الله، رقم 296.
[21] رسالة 6، رقم 15.
[22] حوارات، رقم 114.
[23] أحبّاء الله، رقم 239.
[24] المرجع نفسه، الرقمان 296 و307.
[25] المرجع نفسه، رقم 252.
[26] القديس أوغسطينوس، عظة حول المزمور 85، رقم 6.
[27] أحبّاء الله، رقم 39.
[28] القديسة تريزا ليسوع، طريق الكمال، الفصل 17، الفقرة 2.
[29] أحبّاء الله، رقم 127.
[30] التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، رقم 2697.
[31] لاون الرابع عشر، Magnifica humanitas، رقم 146.
[32] في حوار مع الربّ (En diálogo con el Señor)، رقم 48.
[33] الطريق (Camino)، رقم 130.
[34] المرجع نفسه، رقم 633.
[35] عندما يمرّ المسيح، رقم 37.
[36] المرجع نفسه، رقم 9.
[37] المرجع نفسه، رقم 37.
[38] راجع المرجع نفسه، رقم 166.
[39] المحراث (Surco)، رقم 804.
[40] مصهر، رقم 856.
[41] عندما يمرّ المسيح، رقم 122.
[42] رسالة رعوية، 14 شباط 2017، رقم 9.
[43] القديس يوحنا بولس الثاني، المسبحة الوردية للعذراء مريم (Rosarium Virginis Mariae)، رقم 11.