«لفعل الخير، ليس عليك أن تنتمي إلى نفس العقيدة والإيمان»

حفّزت حماسة امرأة بوذية «خوسي لويس أولايزولا» المنتمي إلى الـ«أوبس داي» مع زوجته «ماريسا» لجمع أكثر من مليون يورو للمساعدة على مكافحة استغلال الفتيات الصغيرات في تايلندا.

المبادرات الاجتماعية

قبل اثني عشر عامًا، كنت كاتبًا معروفًا نسبيًا إذ كنت قد كرّست السنوات الثلاثين الماضية من حياتي لعالم الأدب. وإذا بواحدٍ من كتبي يحدث تغييرًا كبيرًا في حياتي، وهو روايةٌ شبابيّةٌ عنوانها «كوتشو» Cucho فزت عنها بجائزةٍ أدبيةٍ مرموقةٍ.

في عام ٢٠٠١، كانت أعيش حياةً مستقرّة؛ أكتب لمجلات مختلفة وأشارك في مؤتمراتٍ وأهتمّ بعائلتي (عندي تسعة أولادٍ، وواحد وعشرون حفيدًا، وابن حفيدٍ واحدٍ). لكن في أحد الأيام، وصلتني رسالة من «رسامي كريساناميس» Rasami Krisanamis ، أستاذة اللغة الإسبانية في جامعة «شولالونغهورن» Chulalonghorn في بانكوك، تطلب فيها الحصول على إذن لترجمة كتابي «كوتشو» إلى اللغة التايلندية، قائلةً إنّها لا تستطيع أن تدفع لي حقوق المؤلف لأنّها تنوي استخدام الأموال التي ستجمعها من بيع الكتاب في مشاريع تعليمية متنوعة لا تهدف إلى الربح.




بعد نحو عام، أتت «رسامي» إلى إسبانيا لتحسين لغتها الإسبانية. وعندما التقينا، اقترحت عليّ أن أذهب في رحلةٍ إلى تايلندا لإعطاء مؤتمر لمعلمي اللغة الإسبانية هناك. حاولت أن أرفض ولكن عبثًا، فهي تمتلك قوةً خارقةً في الاقناع. هي بوذيةٌ تنتمي إلى طائفةٍ صارمةٍ جدًّا تعرف بالـ «Santi Asoke» ، وقد عزمت على فعل الخير في هذا العالم بقدر المستطاع. بعد أن تمكّنت «رسامي» من الحصول على موافقتي، نظّمت لي ولزوجتي «ماريسا» رحلةً إلى تايلاندا. وهناك قابلت الشخص الذي سيكون له تأثيرٌ هائلٌ على مستقبلي ومستقبل أسرتي كلّها: الأب «ألفونسو دي خوان» الذي تعمل معه «رسامي» بشكلٍ وثيقٍ لأنّه، كما تقول: «لفعل الخير، ليس عليك أن تنتمي إلى نفس العقيدة والإيمان».

الأب «ألفونسو» هو من المرسلين اليسوعيين، أمضى أكثر من أربعين عامٍ في تايلاندا. قدم المساعدات، في خلال هذه الفترة، إلى مخيمات اللاجئين التي تحوي على ٤٠٠،٠٠٠ كمبودي وأشخاصٍ من فييتنام. ولكنّه كان قد بدأ بتكريس كلّ طاقاته لمحاربة وباء بغاء الأطفال عندما التقيت به.

غالبًا ما تكون الفتيات الصغيرات المتورطات في «الصناعة الجنسية» يتيماتٍ أو من أسرٍ مفككةٍ. وفي كثيرٍ من الأحيان، تكون الأمّ متوفاةٌ بالإيدز فيما تعيش الفتاة مع جدتها التي يسهل انخداع بالوكالات التي تسعى إلى أخذ الفتيات الصغيرات. أدرك الأب «ألفونسو» أنّ الحلّ يكمن في توفير منحٍ دراسيةٍ للفتيات من أجل الحصول على التعليم الأساسي الذي من شأنه أن يساعدهنّ على العثور على وظيفةٍ جيدةٍ وعلى تعلّم اللغة التايلندية، بما أنّ الكثير منهنّ يأتين من أفقر مناطق البلاد، بالقرب من الحدود الكمبودية. يعتمد الأب «آلفونسو» على مجموعةٍ من المدرسين والأطباء والممرضات لتحديد الفتيات الصغيرات اللواتي هنّ عرضةً لخطر الانجرار الى هذا العمل المشين، ولتوفير منحةٍ دراسيةٍ لهنّ قيمتها ١٠٠ يورو. ففي تايلاندا، يكفي هذا المبلغ لتغطية تكاليف مدة عامٍ كاملٍ من الدراسة، بالإضافة إلى تأمين الملابس والمواد الغذائية وكلّ ما يلزم فلا يضطر أحدٌ أن يفقد كرامته كإنسانٍ.




في تلك الرحلة الأولى إلى تايلاندا، أتيحت لي الفرصة للتحدث مع فتاة تبلغ من العمر أربعة عشر عامًا، إسمها «أما»، كانت قد حاولت إحراق بيت الدعارة حيث تمّ احتجازها. وعندما جاءت الشرطة وسألتها لماذا فعلت ذلك، قالت: «سأكون سعيدة أن أموت في النار». فالمرأة التي أتت بـ «أما» الى المدينة قالت لها أنّها سوف تجد وظيفةً جيدةً لها هناك. ولكن عندما رفضت «أما» التعاون معهم ضربوها حتى لم تعد تقوى على المشي، فحاولت حرق المبنى كله.

ومن اللحظات المؤثرة في خلال تلك الزيارة حين عبّر الأب «ألفونسو» أمامي عن سعادته إذ وافقت «إيبيريا» أن تقدّم منحةً دراسيةً لواحدةٍ من الفتيات. أمّا ردة فعلي فكانت مشكّكة بعد الشيء وقلت له إنّ هذا يبدو كقطرة ماءٍ في البحر مقارنةً مع هذه الآفة الواسعة الانتشار، لكنه أجاب حازمًا: «على الأقلّ، واحدة». وقد أصبحت هذه العبارة، في نهاية المطاف، شعار أسرتنا.

وعند عودتنا إلى إسبانيا، وفي خلال مؤتمرٍ عُقد في «بيلباو»، دُعيتُ للحديث عن ويلات دعارة الأطفال في تايلاندا وعن عمل الأب «ألفونسو». في نهاية المؤتمر، تقدّم منّي بعض الأشخاص وأعطوني مبلغ ٣٠٠٠ يورو للأب «ألفونسو»، على الرغم من أنّ نيّتي لم تكن مطلقًا جمع التبرّعات. على إثر مبادرة هؤلاء الأشخاص، كتبت مقالاً لمجلةٍ نسائيّةٍ حول المنح الدراسية التي تُعطى للفتيات المعرضات لهذه المشكلة في تايلاندا، وإذا بالتبرعات بدأت تنهال.




قرّرنا عندها تأسيس مؤسسة «SOMOS UNO»أي «كلّنا واحد». شارك أولادي جميعهم في عمل هذه المنظمة غير الحكومية التي لا تهدف إلى الربح، وهم يروْن في المشروع شيئًا شخصيًّا يعنيهم مباشرةً، فيساعدون في مختلف الوسائل والطرق، من تنظيم حفلات لجمع الأموال وتحديث الصفحة الالكترونية وإرسال رسائل إخبارية دورية إلى الجهات المانحة.

قمنا، حتى الآن، بجمع أكثر من مليون يورو، فاستطاع الأب «ألفونسو» تقديم منحٍ دراسيةٍ لأكثر من ألف فتاة، من بينهنّ أكثر من مائة يدرسْن الآن في الجامعة.

أنهي حديثي مشيرًا إلى رسالة إلكترونيّة وصلتني من صديقتي البوذية «رسامي» : «من الأموال التي تمّ جمعها من بيع بعض الكتب التي كتبتها أنت، قدّمت منحًا دراسيةً لثلاث فتياتٍ فقيراتٍ. إنهنّ تستيقظن كل صباحٍ عند الساعة 4.30 للعمل في إستخراج النسغ من أشجار المطاط لمدة ساعةٍ، قبل الذهاب إلى المدرسة. كان لواحدة منهنّ شعرٌ أسود جميلٌ طويلٌ يصل إلى خاصرتها، قصّته وباعته بمبلغ مائة يورو للحصول على المال لزيها المدرسي ولشراء الكتب. عندما أخبرتها أنّها حصلت الآن على منحةٍ دراسيةٍ تخوّلها إنهاء دراستها الثانوية، لم تصدّق ما سمعته وأجهشت بالبكاء من شدّة الفرح. هي فتاةٌ شابةٌ جميلةٌ يتيمة الأهل، تعيش مع جدّتها ».