عظة بمناسبة عيد القديس خوسيماريا اسكريفا

عظة صاحب السيادة المطران بولس عبد الساتر، رئيس أساقفة بيروت، في قدّاس عيد القدّيس خوسيماريا إسكريفا - كاتدرائيّة مار جرجس المارونيّة، بيروت - الأحد ٢٨ حزيران ٢٠٢٦

في صباحِ هذا العيدِ المبارك، عيدِ القدِّيسِ خوسيماريا إسكريفا، أشكرُ حضرةَ المونسنيور دومنيك حلو، والآباءَ والإخوةَ والأخواتِ في Opus Dei على دعوتِهم لي للمشاركةِ في هذا القدَّاس، وللصلاةِ على نيَّتِكم وعلى نيَّةِ عائلاتِكم.

وفي هذه المناسبة، دعونا نتأمَّل قليلًا في حياتِه وكلماتِه. فهو الكاهنُ الذي جابَ العالمَ مُعلِّمًا أنَّ القداسةَ ليست حكرًا على الأديرةِ والأماكنِ المقدَّسة، وليست حكرًا على الكهنةِ والرهبانِ والراهبات، بل هي دعوةٌ موجَّهةٌ إلى كلِّ إنسانٍ في حياتِه اليوميَّة، في المنزلِ كما في مكانِ العمل، وفي الكنيسةِ كما خارجَها.

تعلَّم قدِّيسُنا منذ صغرِه أن يرى يدَ الله في كلِّ حدثٍ من أحداثِ حياتِه، حتّى في المعاناة. واكتشفَ أنَّ العملَ العاديَّ، والدراسةَ، والحياةَ العائليَّةَ، والعلاقاتِ الإنسانيَّةَ، كلَّها يمكنُ أن تصبحَ طريقًا إلى القداسة.

إنَّ روحانيَّةَ القدِّيس خوسيماريا ترتكزُ على فكرةٍ واحدة: قدِّس عملَكَ، وتقدَّسْ في عملِكَ، وقدِّسِ الآخرينَ من خلالِ عملِكَ. فقد علَّم أنَّ الإنسانَ يستطيعُ أن يبلغَ الكمالَ الروحيَّ، أي القداسةَ، بالصلاة، وأيضًا من خلالِ انشغالاتِه اليوميَّة، كالتعليمِ والتطبيبِ، وحتّى الأعمالِ التجاريَّة، إذا قامَ بها بكثيرٍ من الحبِّ وبأفضلِ طريقةٍ ممكنة. وأكَّدَ أنَّ الجميعَ مدعوٌّ إلى القداسة. وكان يرى أنَّ اللهَ ينتظرُنا في تفاصيلِ الحياةِ الصغيرة: في الأمانةِ في العمل، وفي أداءِ الواجبِ بمحبَّة، وفي خدمةِ الآخرينَ بابتسامة، وفي تقديمِ الجهدِ والتعبِ قربانًا لله.

كما شدَّدَ على أهميَّةِ الصلاةِ المستمرَّة، لا كأمرٍ منفصلٍ عن الحياة، بل كحضورٍ دائمٍ مع اللهِ وسطَ الانشغالاتِ اليوميَّة.

إنَّ قدِّيسَنا، الذي رأى العالمَ يعيشُ من دونِ اللهِ في وسطِه، ورأى الإنسانَ لا يلتقي بالله إلّا داخلَ الكنيسةِ وفي الأعمالِ التقويَّة، دعا المؤمنينَ والمؤمناتِ إلى حملِ الربِّ إلى العالم، وإلى العيشِ معه في العالم، ورفضَ كلَّ انفصامٍ بين الحياةِ اليوميَّةِ وحياةِ القداسة.

إخوتي وأخواتي، يدعونا مؤسِّسُ «عملِ الله» القدِّيس خوسيماريا إسكريفا إلى إعادةِ اكتشافِ دعوتِنا الشخصيَّةِ إلى القداسة. فلسنا بحاجةٍ إلى أعمالٍ خارقةٍ لكي نصبحَ قدِّيسين، بل إلى قلبٍ يُحبُّ اللهَ ويعيشُ معه في كلِّ مكانٍ وزمان. فالبيتُ، ومكانُ العمل، والمدرسةُ، والحيُّ، يمكنُ أن تتحوَّلَ جميعُها إلى أماكنَ مقدَّسةٍ نلتقي فيها الربَّ ونقدِّمُ له قلوبَنا وذواتَنا.

جميلٌ، يا إخوتي وأخواتي، أن أُنهيَ تأمُّلي في حياةِ القدِّيس خوسيماريا إسكريفا ببعضٍ من كلماتِه، نتَّخذُها زادًا لنا على دروبِ حياتِنا، ونكرِّرُها حيثما حللنا، لِيُدرِكَ مَن يسمعُها ماهيَّةَ القداسةِ المسيحيَّة، وكيف يستطيعُ أن يُحوِّلَ المحيطَ الذي يعيشُ ويعملُ فيه إلى مكانٍ مقدَّسٍ يلتقي فيه الربَّ والآخر.

إمَّا أن نعرفَ كيف نجدُ الربَّ في حياتِنا العاديَّة، أو فلن نجدَه أبدًا.

اعملْ كلَّ شيءٍ من أجلِ المحبَّة.

لا تقلْ: «هذا العملُ صغيرٌ»، بل اسألْ نفسَكَ: «هل أضعُ فيه محبَّةً كبيرة؟».

الحلمُ الوحيدُ الذي يستحقُّ أن يُعاشَ هو أن نصبحَ قدِّيسين.

ابتسمْ دائمًا، فهذه علامةُ مَن يعرفُ أنَّه ابنٌ لله.

آمين.