الرسالة العامة للبابا ليون الرابع عشر: لتخدم الذكاء الاصطناعي البشرية لا سلطة القلة

بمناسبة الذكرى المئة والخامسة والثلاثين لـ«ريروم نوفاروم»، يتأمل البابا في رسالته العامة الأولى «ماغنيفيكا هومانيتاس» في التعليم الاجتماعي للكنيسة في عصر الذكاء الاصطناعي. نداءٌ للحفاظ على «إنسانية رائعة يسكنها الله»، من خلال تعزيز الحقيقة وكرامة العمل والعدالة الاجتماعية والسلام. وفي العصر الرقمي، لا بد من نزع سلاح الذكاء الاصطناعي وتجاوز نظرية «الحرب العادلة»، وإطلاق الحوار والتعددية الدولية من جديد.

البابا ليون الرابع عشر، لحظة إصداره رسالته العامة الأولى بعنوان «ماغنيفيكا هومانيتاس»، في قاعة السينودس بالفاتيكان، يوم الاثنين ٢٥ مايو ٢٠٢٦. (@Vatican Media)

يمكنكم الاطلاع على النص الكامل للرسالة العامة باللغة العربية هنا

إيزابيلا بيرو — مدينة الفاتيكان

«الإنسانية الرائعة التي خلقها الله تجد نفسها اليوم أمام خيار مصيري: إما بناء برج بابل جديد أو تشييد المدينة التي يسكن فيها الله والإنسان معاً». هذه المقدمة تلخّص الدواعي الجوهرية والهدف من الرسالة العامة الأولى للبابا ليون الرابع عشر — «ماغنيفيكا هومانيتاس»، «في حماية الشخص البشري في عصر الذكاء الاصطناعي» — الصادرة يوم الاثنين ٢٥ مايو، والتي وقّعها الحبر الأعظم في الخامس عشر من مايو الماضي، بمناسبة الذكرى المئة والخامسة والثلاثين لإصدار «ريروم نوفاروم» للبابا ليون الثالث عشر. وهكذا استأنف البابا ليون الرابع عشر إرث سلفه، فأصدر رسالة عامة اجتماعية تعالج أحد أبرز تحديات العصر الراهن: الذكاء الاصطناعي.

تنقسم «ماغنيفيكا هومانيتاس» إلى خمسة فصول تسبقها مقدمة وتختتم بخاتمة، وتنطلق من مسلّمة أساسية: التكنولوجيا ليست «قوة مناهضة للإنسان» (٤)، ولا «شراً في ذاتها» (٩). غير أنها «ليست محايدة، إذ تأخذ وجه من يصمّمها ويموّلها وينظّمها ويستخدمها». ومن هنا جاء نداء البابا إلى «بناء الخير» و«البقاء بشراً»، باتباع منطق المسؤولية المشتركة الشجاعة والتبعية والشركة، حتى «يتمكن العالم من أن يتعرف... في قلب الإنسان، على المكان الذي يشاء الله أن يسكنه» (١٦).

التعليم الاجتماعي للكنيسة لاهوتُ شركة

يستعرض الفصل الأول — «فكر ديناميكي وفي للإنجيل» — مسيرة التعليم الاجتماعي للكنيسة في الإرشاد الحديث وفي المجمع الفاتيكاني الثاني، مُسلّطاً الضوء على «طابعه الديناميكي» (١٧). فهذا التعليم ليس «مجموعة من المبادئ والقواعد تُطبَّق»، بل هو «مسار تمييز جماعي»، و«لاهوت شركة في التاريخ» (٢٧) يوجّه قراءة الأحداث في ضوء الإنجيل. ويستحضر ليون الرابع عشر فكر أسلافه: من بيوس الثاني عشر — أول من استخدم تعبير «التعليم الاجتماعي للكنيسة» في الإرشاد الرسولي «منتي نوسترا» عام ١٩٥٠ — وصولاً إلى البابا فرنسيس، مروراً بـ«ريروم نوفاروم» عام ١٨٩١ التي وُصفت بأنها «منعطف في مسيرة الإرشاد الاجتماعي» (٣٠). وفي كل حقبة، أبرز كل خلف لبطرس «جوانب مختلفة من إرث واحد: كرامة الإنسان وقيمة العمل والتوجيه الكوني للخيرات والتضامن والتبعية وصون الخليقة ومحورية السلام والأخوة» (٤٥).

حماية الكرامة البشرية: الإنسان ليس موارد تُستنزف

في الفصل الثاني، يعدّد ليون الرابع عشر «الأسس والمبادئ» للتعليم الاجتماعي للكنيسة؛ ويأتي في مقدمة الأسس كرامة الإنسان المخلوق على صورة الله ومثاله. ولا بد من التذكير بهذا لأن ضغط «أيديولوجيات جديدة» و«مصالح بالغة النفوذ» قد يختزل الإنسان في «مورد يُستخدم ويُستغل» أو في «ما يُنجزه أو يُنتجه» (٥١). في المقابل، «الكرامة الجوهرية لكل شخص لا تُكتسب ولا تُستحق ولا تحتاج إلى إثبات» (٥٣). أما الأساس الثاني فهو حرمة حقوق الإنسان، وفي مقدمتها الحق في الحياة «من الحبل به حتى نهايتها الطبيعية»؛ وفي هذا السياق يصف ليون الرابع عشر الإجهاض المتعمد وقتل الأبرياء والقتل الرحيم بأنها «خيارات محرّمة تحريماً شديداً» (٥٥). والأساس الثالث هو الاعتراف بحقوق الأقليات، مع اهتمام خاص بالمرأة: ويطالب الحبر الأعظم لصالحهن بـ«خيارات ملموسة» في القوانين والعمل والتعليم والمسؤوليات الاجتماعية والسياسية، لكي يُسمع صوتهن حقاً وتُقدَّر مساهمتهن (٥٧).

إبادة أمة أو إخضاعها أمرٌ لا أخلاقي ومرفوض

أما مبادئ التعليم الاجتماعي للكنيسة فيحدد ليون الرابع عشر خمسة منها: أولها الخير المشترك، «الصورة الاجتماعية للكرامة المعترَف بها لكل إنسان» (٥٩). وفي نقطة واحدة يكون البابا حازماً بشكل خاص: «لا يمكن أبداً فصل تعزيز الخير المشترك عن احترام حق الشعوب في الوجود وصون هويتها وإسهام تميّزها في أسرة الأمم». ومن ثَم فإن «كل محاولة أو مشروع يرمي إلى إبادة أمة أو إخضاعها هو أمر لا أخلاقي بشكل بالغ ومرفوض بالتالي» (٦٤).

يجب ألا تتركّز التكنولوجيا في يد القلة

يتعلق المبدأ الثاني بالتوجيه الكوني للخيرات: وهنا وفي مواضع أخرى من الرسالة العامة، يشدد ليون الرابع عشر على ضرورة ألا تتمركز المعرفة والتكنولوجيا في يد القلة، مما يوسّع الهوة بين المندمجين في الثورة الرقمية والمُقصَيْن منها (٦٧). وينبثق من هذا المبدأ الثالث والرابع، أي التبعية (٦٨) — التي تستلزم تجاوز الأبوية والتواكل لصالح المسؤولية المشتركة — والتضامن (٧٣)، «مبدأ وفضيلة» يقف في مواجهة اللامبالاة ويأخذ في الاعتبار الشعوبَ والأجيالَ القادمة.

العدالة الاجتماعية والمهاجرون بوصفهم «اختباراً»

المبدأ الخامس للتعليم الاجتماعي للكنيسة الذي يشير إليه البابا هو العدالة الاجتماعية: وهي في العصر الرقمي يجب أن تضمن للجميع وصولاً عادلاً إلى الفرص، وتحمي الأكثر هشاشة، وتكافح الكراهية والتضليل، وتُخضع استخدام البيانات والتكنولوجيات لرقابة عامة، «لكي لا يكون المعيار الربح وحده، بل كرامة كل إنسان وخير الشعوب» (٨٠). ويُعرّف ليون الرابع عشر المهاجرين واللاجئين والنازحين بأنهم «اختبار حاسم» في هذا المجال: فالطريقة التي يعاملهم بها المجتمع تكشف «ما إذا كانت فكرة العدالة يقودها الخوف أم الأخوة». ومن هنا جاء النداء إلى صون «حق الأمل» لمن اضطروا إلى المغادرة، بضمان مسالك آمنة وقانونية لهم واستقبال كريم واندماج؛ والعمل على تعزيز «حق البقاء» لكل إنسان في أرضه بسلام وأمان، بمعالجة «الأسباب العميقة» للهجرة (٨١).

الانتهاكات وفحص الضمير للكنيسة

يريد البابا أن تتوجه هذه المبادئ الخمسة لا إلى المجتمع وحده، بل إلى الكنيسة أيضاً الداعية إلى «فحص ضمير». ويحثّ البابا على «تطهير العلاقات والهياكل الكنسية من تلك التشوهات التي تُولّد اللامساواة والغموض وإساءة استخدام السلطة». ويطالب بالإنصات لـ«ضحايا الانتهاكات الروحية والاقتصادية والمؤسسية والجنسية وانتهاكات السلطة والضمير»، لأن ذلك «يُشكّل جزءاً لا يتجزأ من مسار العدالة، الذي يشمل الاعتراف بالضرر والتعويض العادل والوقاية» (٨٩).

ضرورة ميثاق أخلاقي مشترك حول الذكاء الاصطناعي

يعالج الفصل الثالث — «التقنية والهيمنة. عظمة الإنسان في مواجهة وعود الذكاء الاصطناعي» — موضوع الذكاء الاصطناعي مباشرةً. ويحذّر ليون الرابع عشر من «النموذج التكنوقراطي» الذي سبق أن أدانه البابا فرنسيس، والذي يجعل كل خيار يمليه حصراً معياران: الكفاءة والربح (٩٢). في المقابل، أكثر التقنيات قدرةً لا تكون بالضرورة الأفضل: إذ يستطيع الذكاء الاصطناعي محاكاة الإنسان وتقليده، لكنه يفتقر إلى الضمير الأخلاقي والتعاطف والقدرة العاطفية والعلائقية والروحية. ولا بد من التعامل مع الذكاء الاصطناعي بتعقل ويقظة، مع ضمان وضوح المسؤوليات في كل مرحلة، والرهان على سياسات وأطر قانونية ملائمة ورقابة مستقلة وتثقيف المستخدمين. والأهم من ذلك كله، لا بد من ميثاق أخلاقي خاضع لمعايير عدالة اجتماعية مشتركة، لأن «ذكاءً اصطناعياً أكثر أخلاقية لا طائل منه إذا كانت تلك الأخلاقية تقررها حفنة من الناس» (١٠٧). دون أن نغفل الأثر البيئي للتكنولوجيات الجديدة التي تستهلك كميات ضخمة من الطاقة والمياه وتؤثر في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وتلحق الأذى بالخليقة (١٠١).

نزع سلاح الذكاء الاصطناعي وإخراجه من منطق التنافس

لا بد من «نزع سلاح الذكاء الاصطناعي» — يُصرّ ليون الرابع عشر — لإخراجه من منطق التنافس العسكري والاقتصادي والمعرفي؛ لكسر معادلة القوة التقنية والحق في الحكم؛ لإخراجه من قبضة الاحتكارات ومنعه من الهيمنة على الإنسان. هذه المهمة أخلاقية وتقنية وبيئية في آنٍ واحد، لأن الذكاء الاصطناعي «بات البيئة التي نحن منغمسون فيها والقوة التي علينا التعامل معها» (١١٠). وتُخصَّص مساحة واسعة لنقد «التحوّل ما فوق الإنساني» و«ما بعد الإنسانية» اللذين يفسّران التقدم بوصفه تجاوزاً لحدود الإنسان. في المقابل، الحدّ ليس عيباً يُزال، بل بُعد دستوري في الشخص، لأن «الإنسان لا يزدهر رغم الحد، بل كثيراً ما يزدهر من خلاله» (١١٨)، معترفاً في الهشاشة والمحدودية بأماكن ينضج فيها التعلق بالآخر والرعاية والانفتاح على الله والقريب.

البقاء إنساناً في عصر الخوارزميات
في الرسالة العامة «ماغنيفيكا هومانيتاس»، يُصيغ البابا ليون الرابع عشر مطلباً واحداً: تطوير التقنية دون أن يتراجع القلب.

لا يُفضي التقدم التقني إلى تراجع القلب

الرهان كبير: إن المضيّ في تطوير التقنية بإزالة حدود الإنسان يُعادل تراجع القلب. الإنسانية الرائعة وإن كانت جريحة «لا ينبغي استبدالها ولا تجاوزها». يمكن للتكنولوجيا أن تخفف المعاناة البشرية وتفتح آفاقاً جديدة، لكن لا ينبغي لها أن تتنكر لما هو خاص بالإنسان: «القدرة على العلاقة والمحبة» (١٢٦). في مواجهة الذكاء الاصطناعي، الخيار الحقيقي لا يقع بين الحماس والخوف، بل بين طريقتين لبناء التقدم: في خدمة الإنسان والشعوب، أو في خدمة منطق السلطة (١٢٩). خيارٌ يعنينا جميعاً: «بناء بابل أو بناء أورشليم»، تلك «المدينتان» اللتان استحضرهما القديس أغسطينوس أيضاً (١٣٠)، يبدأ الأمر في كل واحد منّا.

البيئة التواصلية ودور المدرسة المحوري

في الفصل الرابع — «صون الإنسان في التحول. الحقيقة والعمل والحرية» — تعتبر الرسالة العامة الحقيقةَ خيراً مشتركاً وعنصراً جوهرياً للديمقراطية. وفي البيئة الرقمية، يجب أن تندرج الحقيقة في «بيئة تواصلية» لكي لا تتحول الثقافة التي ينتجها الفضاء الإلكتروني إلى أداة «توحيد وهيمنة»، بل إلى فضاء نضج لـ«الحرية الداخلية والتفكير النقدي» (١٣٦-١٣٧). ويُشير البابا إلى بعض الأدوات: الشفافية في منطق اختيار المحتويات، وحماية البيانات الشخصية، وصحافة جادة مبنية على الحجج والتحقق، ووعي جديد في الاستخدام «الصحيح والنقدي» للذكاء الاصطناعي، وتكامل المعارف. كما يُطالب بتواصل شفاف وأمين من جانب الكنيسة، خاصة في حالات الظلم والانتهاكات. ويتمحور الرسالة العامة حول نداء إلى تجديد التحالف التربوي لئلا ينطفئ لدى الشباب «شوق طرح الأسئلة» بسبب آلات مثالية تجعل التفكير البشري يبدو عديم الجدوى. «علينا أن نتعلم الصوم عن الذكاء الاصطناعي» (١٤٠)، يُؤكد ليون الرابع عشر، مع إزالة عدم المساواة في الوصول إلى التعليم، والرهان على المدرسة بوصفها مكاناً يتعلم فيه المرء «البحث عن الحقيقة ومحبتها» (١٤٣)، وتُعلَّم فيه ما لا يستطيع الرقمي إعطاءه: «وقتاً مشتركاً للتعلم وعلاقات ثقة» (١٤٧).

لتكن الشغل محوره الإنسان لا الربح

في إطار «الثورة الصناعية الرابعة» التي يمثّلها التحول الرقمي، يشدد الحبر الأعظم على أهمية الحفاظ على كرامة العمل وقيمته: «"الطرق الجديدة" في العمل ليست بالضرورة أفضل»، يوضح، لأن التكنولوجيا قد تُفقد العمال مهاراتهم وتُهمّشهم في وظائف ثانوية وتُخضعهم لمراقبة آلية (١٥٠). في المقابل، لا بد من تصميم أنظمة محورها الإنسان لا الأداء وحده، لأنه وإن كانت التكنولوجيا تستطيع إعفاء الإنسان من المهام المرهقة أو المتكررة، فلا يجوز لها بأي حال أن تقود إلى البطالة باسم خفض التكاليف وزيادة الأرباح. وفي مشهد تلوح فيه فقر متصاعد وفوارق متزايدة تُسبّبها أنظمة آلية حلّت محل الإنسان، يدعو البابا أيضاً إلى تجديد المنظمات النقابية (١٥٥).

التنمية لا تُقاس بالناتج المحلي الإجمالي وحده

يجب أن تنطلق التحولات الرقمية من البداية مؤطَّرةً بمعايير اجتماعية راسخة وتكوين متاح ومستمر للعمال ومسؤولية المؤسسات. ويؤكد البابا علاوة على ذلك ضرورة تجاوز الناتج المحلي الإجمالي بوصفه مقياساً لمستوى تنمية البلد، والرهان عوضاً عن ذلك على كرامة العمل والازدهار المشترك والحد من الفوارق وحماية البيئة. فالمال من أجل المال يختلف عن المال من أجل التنمية (١٥٩-١٦٠). وعلى خطى القديس بولس السادس، يُبرز البابا الترابط بين السلام والتنمية، متطلعاً إلى تعاون دولي قادر على تحديد استراتيجيات مشتركة «لصالح البلدان والفئات الأكثر هشاشة بوجه خاص»، لأن الازدهار لا يُسهم في السلام «إلا إذا كان شاملاً وجامعاً ومستداماً» (١٦٣).

الأسرة، الخير الاجتماعي الأول

يُولي البابا في رسالته العامة اهتماماً خاصاً للأسرة المبنية على الاتحاد المستقر بين رجل وامرأة. فهي «خيرٌ اجتماعي أول» و«الخلية الأساسية التي لا غنى عنها لأي تنظيم مجتمعي» (١٦٥)، وينبغي دعمها لا سيما من خلال سياسات عمل تُعزّز الاستقرار وإيقاعات حياة إنسانية، لضمان توازن عادل بين الحياة المهنية والحياة الخاصة، وصون تلك «القدرة على بناء المستقبل» التي تجعل المجتمع خصباً.

«بنية الظهور» ومخاطرها على الحرية

يُعالج البابا أخيراً موضوع الحرية البشرية الواجب صونها من التبعية والتسليع. في عصر باتت فيه المنصات الرقمية مصمَّمة لاستنزاف وقت المستخدمين واستغلال نقاط ضعفهم، باتت مسألة تعزيز الحرية الداخلية لكل فرد أمراً عاجلاً، مع مواجهة خطر الرقابة الاجتماعية الناجم عن الجمع الهائل للبيانات واستخدام الأنظمة الخوارزمية. فالتنميط والتوقع وتوجيه السلوكيات يُشكّلون «سلطة جديدة» (١٧١) قد تميّز ضد الأضعف. ويستنكر البابا بشكل خاص «بنية الظهور» التي لا تفعل سوى مكافأة المرئي وتضخيمه، فتصنع الآراء وتُفرز الانتهازية.

أشكال رق جديدة واستعمار جديد

يُفرز الذكاء الاصطناعي أشكالاً جديدة من الرق، كتلك التي يعانيها أصحاب «الأجساد المُوسَمة المُمزَّقة المُنهَكة» (١٧٣) من العاملين في استخراج «المعادن النادرة» الضرورية للتكنولوجيا. ولذلك يُشكّل الكفاح ضد هذه الأشكال الجديدة من الرق «اختباراً حاسماً آخر للتمييز الأخلاقي» في التحول الرقمي. وفي هذا الصدد، يُؤكد ليون الرابع عشر أن «الكنيسة تُجدّد إدانتها الحازمة لكل أشكال الرق والاتجار بالبشر وتسليعهم» (١٧٤)، ويُعيد التأكيد على أن عدم التصدي لهذه «الانتهاكات الجسيمة للكرامة البشرية» أو التسامح معها يُعادل «التواطؤ فيها» (١٧٥). وفي الوقت ذاته، يطلب البابا «المغفرة بصدق» عن التأخر الذي وقعت فيه الكنيسة في الماضي حين أدانت «وباء الرق». وتُشير الرسالة العامة أيضاً إلى «المعادن النادرة الجديدة للسلطة»، أي المعلومات الحيوية — كتلك المتعلقة بالصحة والديموغرافيا — المستخدمة لتوجيه الاستراتيجيات الاقتصادية. وهذا، يشرح البابا، وجهٌ غير مسبوق للاستعمار الذي يستولي على البيانات ويحوّل الحياة الشخصية إلى معلومات قابلة للاستغلال، فيصير الفضاء الرقمي «فضاء افتراس» (١٧٦-١٧٩).

تجاوز نظرية «الحرب العادلة»

في الفصل الخامس والأخير — «ثقافة القوة وحضارة المحبة» — يتناول ليون الرابع عشر موضوع الحرب. «الثورة الرقمية تُعيد كتابة قواعد النزاعات»، وبدون مقاربة أخلاقية ستصبح القرارات المتعلقة بحياة الناس وموتهم شخصانيةً أقل فأقل، إذ يُنظر إلى اللجوء إلى القوة بوصفه «خياراً فورياً وقابلاً للتنفيذ» (١٨٢-١٨٣). وفي أساس ذلك كله تكمن «ثقافة القوة» التي تُطبّع الحرب وتُعيد الاعتبار إليها بوصفها «أداة للسياسة الدولية» (١٩٠)، مما يُشجّع على التسلح. والرأي العام الذي كان يعتبر الحرب ملاذاً أخيراً بات اليوم يتأثر بروايات إعلامية مُقطّبة، فضلاً عن «فقدان مثير للقلق للذاكرة التاريخية» يحرمه من أي رؤية بعيدة المدى (١٩١). وعليه لم تعد السلام تُعدّ اليوم مهمة ينبغي تحمّلها، بل فترة هشّة بين النزاعات. ولذلك يُعيد ليون الرابع عشر التأكيد على أنه — مع عدم المساس بحق الدفاع المشروع بالمعنى الدقيق — لا بد من تجاوز نظرية «الحرب العادلة»، مُفضّلاً الحوار والدبلوماسية والمغفرة (١٩٢).

لا خوارزمية تجعل الحرب مقبولة أخلاقياً

لا يتردد ليون الرابع عشر في استنكار ازدهار صناعة التسلح وسباق التسلح النووي وظهور فاعلين مسلحين جدد — من بينهم الجهاديون — يسعون إلى إدامة النزاعات مصدراً للسلطة والربح. ثم يُطلق تحذيراً لا لبس فيه من استخدام أسلحة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لأن «لا خوارزمية تستطيع أن تجعل الحرب مقبولة أخلاقياً»؛ بل إن التكنولوجيا «لا تُخرج النزاع من لاإنسانيته الجوهرية: لا تستطيع إلا أن تجعله أسرع وأكثر ابتعاداً عن الشخصانية، مُخفِّضةً عتبة اللجوء إلى العنف ومحوّلةً الدفاع إلى استباق عملياتي، فيما تُختزل الضحايا في مجرد بيانات. وهكذا تُعوّدنا على فكرة أن العنف أمر لا مفر منه ولا يعدو أن يكون مسألة تحسين» (١٩٨). لا بد إذاً من قيود أخلاقية صارمة مشتركة على المستوى الدولي، مبنية على المسؤولية الشخصية وحماية المدنيين، لأن «كل تكنولوجيا تُيسّر الضرب دون رؤية وجه الآخر تُخفّض العتبة الأخلاقية للنزاع» (١٩٩).

أزمة التعددية الدولية

تنبثق ثقافة القوة أيضاً من أزمة التعددية الدولية وبروز «تعددية قطبية فوضوية ومتنازعة» يسود فيها انعدام الثقة بالآخر (٢٠١). تحلّ قوة الحق محلّها قانون الأقوى؛ وتتغلب منطقيات القوة على بناء السلام الذي يتراجع إلى الهامش؛ وتضعف المؤسسات المولودة لترعى المصير المشترك للشعوب، دون أن يُعترف بعد الآن بسلطتها الأخلاقية. وفي هذا السياق، يتطلع البابا إلى «إصلاحات عميقة» للأمم المتحدة والمنظومة السياسية الدولية تتجاوز الأزمة القيمية الراهنة لصالح الخير المشترك الحقيقي (٢٢٦).

سياسة واقعية غير مسؤولة

تخوض اليوم، تتابع الرسالة العامة، حروبٌ «هجينة» على الصعيدين الاقتصادي والمالي والمعلوماتي، مستغِلّةً التضليل والخوف للتأثير في الرأي العام وتقديم زيادة الإنفاق العسكري بوصفها «الجواب الوحيد» على مستقبل مجهول. غير أن كل ذلك ليس سوى «واقعية زائفة»، سياسة واقعية غير مسؤولة تزرع في الضمائر والثقافات القبول بحرب لا مفر منها وتصف السلام بأنه طوباوية (٢٠٤-٢٠٥). دون استبعاد أن يكون النزاع المسلح لدى بعضهم أداةً لـ«إدارة سينيكية» للصعوبات، وكذلك وسيلةً لصرف الأنظار عن المشاكل الداخلية (٢٠٨).

حضارة المحبة

في مواجهة ثقافة القوة هذه، يُدعى المسيحي إلى الردّ ببناء «حضارة المحبة». إذ إن النعمة لا تُلغي النزاع كالسحر، لكنها تُولّد «مقاومة فعّالة للشر وإبداعاً مدهشاً في الخير» (٢١١). وكل شخص في ميدان عمله مدعوٌ إلى الاختيار بين تغذية منطق القوة أو الحفاظ على السلام، بالحدّ من اللاإنسانية بأفعال صغيرة من الأمانة والمثابرة. ويُشير البابا إلى خمسة «مسارات للمسؤولية»: نزع سلاح الكلمات بقول الحقيقة؛ بناء السلام في العدالة؛ تبنّي نظرة الضحايا بأخذ مواقف، لأن ثمة نزاعات «لا يصحّ فيها البقاء على الحياد». فالاعتداءات على المدنيين والمستشفيات والبنى التحتية تجرح الإنسانية ذاتها ولا تحتمل التحليل المجرد. في المقابل، لا بد من إعطاء الكلمة للضحايا حتى «نُدرك حقاً هوّة الشر التي تنطوي عليها» الحرب وكل أشكال العنف (٢١٧). وكذلك: يحثّ البابا على «تنمية واقعية سليمة» تبحث عن مسالك سلام قابلة للتحقق بالأفعال لا بالكلمات فحسب.

لا نستخدم اسم الله لتبرير الحرب

وأخيراً، إطلاق الحوار بالانتقال من ثقافة القوة إلى ثقافة التفاوض. كذلك يُشكّل «الحوار بين الأديان»، الحامل لرسالة السلام، عاملاً حاسماً. «من يستخدمون اسم الله لتبرير الإرهاب أو العنف أو الحرب يُشوّهون وجهه — هذا تحذير ليون الرابع عشر —: فالقتال باسم الدين يعني في الحقيقة الإساءة إلى الدين ذاته» (٢٢٣). ودبلوماسية الكرسي الرسولي من جانبها تستخدم «مبدأ الرحمة الإنجيلية» معياراً ملموساً للعمل السياسي. ومن هنا جاء الحثّ على الصلاة، لأن السلام يأتي قبل كل شيء من الله (٢٢٧-٢٢٨).

الإنسانية الرائعة

في خاتمة الرسالة، يدعو الحبر الأعظم المؤمنين إلى التعامل مع التكنولوجيات الجديدة في ضوء الإنجيل، سالكين «درباً من الحياة المسيحية الرصينة والمتطلّبة»، حتى يتمكن الجميع، حتى في عصر الذكاء الاصطناعي، من الشهادة «لجمال إنسانية رائعة يسكنها الله».

© 2017-2026 مكتب الاتصالات في الكرسي الرسولي

© 2017-2026 الدائرة المعنية بالتواصل — Vatican News