«الحياة كرحلةٍ في بحر التاريخ، كثيراً ما يكون مظلماً عاصفاً، رحلةٌ نرقب فيها النجوم التي تدلّنا على الطريق. إن النجوم الحقيقية في حياتنا هم أولئك الذين عرفوا كيف يعيشون في الاستقامة. هم أنوار رجاء. نعم، يسوع المسيح هو النور بامتياز، الشمس التي تشرق على كل ظلمات التاريخ. لكن للوصول إليه نحتاج أيضاً إلى أنوار قريبة — إلى أشخاص يُضيئون مستمدّين ضوءهم من نوره، فيرسمون لرحلتنا وجهتها» [١]. في يوم عيدها، ننظر إلى غوادالوبي أورتيز دي لانداثوري لتمتلئ قلوبنا بهجةً؛ إذ تُرينا كم يشاء الله أن يُشركنا في قداسته، هنا على الأرض، في الأمور العادية؛ ولذلك فحياتها نورٌ قريب منّا بشكل خاص.
«غوادالوبي أورتيز دي لانداثوري هي أول مؤمنة علمانية في أوبوس داي تقترحها الكنيسة نموذجاً للقداسة. كان مؤسسها القديس خوسيماريا وخلفه الأول المطوَّب ألفارو قد سبقاها نموذجَين للقداسة. يذكّرنا هذا بنداء الله لنا جميعاً كي نصير قديسين، كما بشّر بذلك القديس خوسيماريا عام ١٩٢٨، وكما جاء في أحد أبرز تعاليم المجمع الفاتيكاني الثاني (راجع نور الأمم، الفصل الخامس). وهذا ما أرادت المطوّبة الجديدة أن تُعطيه لمحيطها: الإيمان بأن الاتحاد بالله، بنعمته الإلهية، في متناول الجميع، في ظروف الحياة العادية» [٢].
الرب لا يريدنا أن نسير وحدنا في الطريق المؤدي إلى السعادة. إنه «لا يترك كنيسته أبداً [...] بل يواصل إثارة نماذج القداسة في صميمها، نماذج تُجمِّل وجهها وتملأنا رجاءً وتُرينا بوضوح الطريق الذي ينبغي أن نسلكه» [٣]. نتعلم منها أن «القداسة تتمثّل في فتح القلب لله والسماح له بتحويلنا بمحبته» [٤]. يرتبط السعادة ارتباطاً وثيقاً بقدرتنا على السماح لجِدّة الله ودفعه أن يدخلا إلينا. وأي شيء أكثر أماناً من أن نضع حياتنا بين يديه؟ وهذا لا يعني التخلي عن الأمور، بل العكس تماماً: الانخراط بعمق مع الناس والأحداث، إذ نعلم أن الرب موجود فيها.
كل قديس معجزة من معجزات الله
«في السابعة والثلاثين من عمرها، كتبت غوادالوبي من المكسيك رسالةً إلى مؤسس أوبوس داي تقول فيها: "أريد أن أكون وفيّة، أريد أن أكون نافعة، وأريد أن أكون قديسة. الواقع أن أمامي طريقاً طويلاً لأجتازه [...]. لكنني لا أيأس، وبعون الله وبدعمكم ودعم الجميع، أرجو أن أكون منتصرة" (رسالة، ١ فبراير ١٩٥٤). هذه الكلمة الموجزة "أريد أن أكون قديسة" هي التحدي الذي قبلته غوادالوبي لحياتها والذي ملأها سعادة. وللوصول إليه لم تضطر إلى فعل أشياء استثنائية. في نظر محيطها، كانت إنساناً عادياً: قلقة على عائلتها، تنتقل من مكان إلى آخر، تُنهي مهمة لتبدأ أخرى، تسعى إلى تصحيح عيوبها شيئاً فشيئاً. في تلك المعارك التي تبدو صغيرة، يُنجز الله أعمالاً عظيمة. إنه يريد أن يُنجزها أيضاً في حياة كل واحد منّا» [٥].
يكتب القديس بولس إلى أهل كورنثوس: «لِيُعطِ كلٌّ كما أزمع في قلبه، لا عن حزنٍ ولا عن اضطرار، لأن الله يحب المعطي المسرور. والله قادرٌ أن يُجزل لكم كل نعمة، لكي يكون لكم في كل حين كفايةٌ في كل شيء، بل وفضلٌ لكل عمل صالح» (٢ كو ٩، ٧-٨). حين ننظر في حياة غوادالوبي، كم يبدو جميلاً قرارُها تنفيذ إلهامات الرب، وشجاعتها في العطاء للآخرين، وتفاؤلها الفوق طبيعي! وكانت بهجتها الغامرة تنبثق من قلب عاشق دائم اليقظة.
«لم تنته بطولات الله، وقدرته تتجلى في التاريخ. كان القديس خوسيماريا يُحب استحضار كلمات النبي إشعياء: "يد الرب ليست قاصرة، فالله ليس أقل قدرةً اليوم مما كان بالأمس" (حين يمر المسيح، ١٣٠). الرب نفسه يريد أن يواصل تجلّيه بطرق شتى، ومنها القديسون. كل قديس معجزةٌ من معجزات الله، وطريقة لتجعله حاضراً في عالمنا؛ إنه "أجمل وجوه الكنيسة" (إفرحوا وابتهجوا، رقم ٩)» [٦]. نحن مدعوّون أيضاً لأن نعكس هذا الوجه الجميل في حياتنا الشخصية.
فرحة اتباع الله
«كانت غوادالوبي دائمة البهجة لأنها كانت تترك يسوع يقودها ويملأ قلبها. منذ أن رأت أن الله يدعوها إلى التقديس على طريق أوبوس داي، أدركت أن هذه المهمة لم تكن مجرد مشروع أرضي جديد، وإن كان مثيراً للاهتمام. أدركت أنه شيءٌ فوق طبيعي، شيء أعدّه الله لها منذ الأزل. ومنقادةً بيقين الإيمان هذا، كافأها الله بخصب لم تكن تتخيله وبسعادة — المئة ضعف التي وعد بها يسوع تلاميذه — يمكننا أن نلمسها في رسائلها [...].
قد يبدو السعي الدائم وراء الرغبات الشخصية والراحة مفتاحَ السعادة. غير أن الأمر ليس كذلك. يُذكّر يسوع المسيح بأن من أراد أن يكون الأول، فليكن خادماً للجميع (راجع مر ٩، ٣٥)؛ وأنه هو نفسه أتى إلى الأرض ليخدم (راجع مت ٢٠، ٢٨)؛ وأصرّ في موضع آخر على أن مكانه بين الناس هو "كالخادم" (لو ٢٢، ٢٧). وفي العشاء الأخير، جثا على ركبتيه أمام تلاميذه وغسل أقدامهم جميعاً، ثم قال لهم: "فأنتم أيضاً ينبغي أن يغسل بعضكم أقدام بعض [...]. إن علمتم هذا فطوباكم إن عملتموه" (يو ١٣، ١٤-١٧). وبلغت غوادالوبي أيضاً تلك البهجة المتجلية في كتاباتها وحياتها، لأن أول كلمة تقولها كل صباح حين تستيقظ كانت موجَّهة إلى الرب: Serviam! سأخدم! وكان هذا عزماً أرادت أن تعيشه في كل لحظة من نهارها. بهجة غوادالوبي كانت تنبثق من اتحادها بيسوع المسيح الذي كان يُنسيها نفسها، وهي تسعى إلى فهم الجميع» [٧].
نحن أيضاً نريد أن نتبع الرب بهذه الطريقة. ذهبت غوادالوبي من مكان إلى مكان، ومن عمل إلى عمل، بعزيمة، كأنها تسمع في كل مرة في أعماق روحها «اتبعني» صوت الدعوة. «حين نكتشف بالإيمان عظمة إرادة الله، "تُمنح لنا عيون جديدة، ونختبر أن فيه وعداً عظيماً بالامتلاء، وينفتح نظرنا على المستقبل" (نور الإيمان، رقم ٤). وتتذكر غوادالوبي لحظة لقائها بالقديس خوسيماريا للمرة الأولى فتكتب: "شعرتُ بوضوح تام أن الله يكلمني عبر هذا الكاهن [...]. أحسستُ بإيمان عظيم، كانعكاس قوي لإيمانه". نسأل الرب، بشفاعة غوادالوبي، أن يمنحنا هذه العيون الجديدة للإيمان ويكمّلها فينا، لنستطيع أن ننظر إلى مستقبلنا كما نظرت هي» [٨].
[١] بنديكتوس السادس عشر، الرجاء المُنقذ، رقم ٤٩.
[٢] المطران فيرناندو أوكاريث، عظة، ١٩ مايو ٢٠١٩.
[٣] البابا فرنسيس، رسالة إلى المطران فيرناندو أوكاريث، ١٢ أبريل ٢٠١٩.
[٤] المرجع نفسه.
[٥] المطران فيرناندو أوكاريث، عظة، ١٩ مايو ٢٠١٩.
[٦] المرجع نفسه.
[٧] المطران فيرناندو أوكاريث، عظة، ١٩ مايو ٢٠١٩.
[٨] المرجع نفسه.
