نحتفل اليوم بالذكرى الليتورجية للطوباوي ألفارو دل بورتيو، المحددة في يوم الذكرى السنوية لمناولته الأولى، التي تلقّاها في مدرسته مع نحو مئة من زملائه في الصف. وبعد سنوات طويلة على ذلك الحدث، كان الطوباوي يتذكر أنه، لكي يستعد كما ينبغي، ذهب إلى سرّ الاعتراف، وأنه «خرج من كرسي الاعتراف بسلام وفرح كبيرين». ومنذ ذلك اليوم، داوم على اللجوء إلى سرّ الغفران. وكذلك، بعد أن تناول الرب لأول مرة في الإفخارستيا، كان يشارك عدة أيام في الأسبوع في القداس الذي كان يُحتفل به في مدرسته، سيّدة العمود.
إن تقوى هذا الطفل البسيطة لم تكن تلفت الانتباه في أجواء تلك الحقبة، لكن يبقى أمراً مؤثراً أن نرى المحبة المتقدة التي حملها الطوباوي ألفارو دائماً في قلبه، وهي محبة ممتنة ومتزايدة لسرّي الاعتراف والإفخارستيا. ففي عام ١٩٨٣، مثلاً، قال لمجموعة من الأشخاص: «منذ ٦٢ أو ٦٣ سنة وأنا أتناول القربان كل يوم، وما زالت كل مرة تبدو لي كأنها لمسة من الله». وفي أيلول ١٩٩٣، وخلال لقاء عائلي، أجاب عن سؤال حول أكبر أفراح حياته قائلاً: «أعظم فرحي، يا بني، هو أن أنال نعمة الله: في كل مرة يغفر لي الرب في الاعتراف، وفي كل مرة يأتي إليّ في المناولة».
وعلى الرغم من صفاته الإنسانية العديدة، كان الطوباوي ألفارو «يعلم أن نعمة الله تستطيع أن تحقق في حياته أكثر بكثير مما كان قادراً على تخيّله». لذلك، كان يردد كثيراً صلاة قصيرة تعبّر عن ثقته بقدرة الله: «شكراً، اغفر لي، وساعدني أكثر». «إنها كلمات تعبّر عن الامتنان لما لا نستحقه، وعن الاعتراف بالضعف الشخصي، وعن طلب القوة اللازمة لبلوغ أعظم سعادة، ألا وهي الاتحاد بالله. وهي أيضاً من أوائل الكلمات التي تعلّمها الأمهات لأطفالهن الصغار. فلنطلب من الله هذا القلب الطفولي الذي يعرف أنه لا يستطيع شيئاً من دون مساعدة أبيه».
كان يوم ٧ تموز ١٩٣٥ يوماً حاسماً في حياة الطوباوي ألفارو. ففي ذلك اليوم، وبعد ساعات من الرياضة الروحية، اتخذ قرار تكريس نفسه لله في عمل الله. وكانت تلك بداية طريق من الأمانة: «أمانة لا جدال فيها، أولاً لله، في تتميم مشيئته بسرعة وسخاء؛ وأمانة للكنيسة وللبابا؛ وأمانة للكهنوت؛ وأمانة للدعوة المسيحية في كل لحظة وفي كل ظروف الحياة».
وفي السنوات الأولى، كافأه الرب على سرعة استجابته للدعوة بفرح غامر وحماسة داخلية كبيرة. لكن، ومع نموه الروحي، أصبحت هذه الفرحة أكثر عمقاً ورسوخاً: فالحماسة العاطفية أفسحت المجال للنضج والثقة الثابتة المرتكزة على الاتكال على الله. وفي وقت قصير، اكتسب الصلابة التي جعلته دعامة لا غنى عنها لمؤسس العمل، ثم لاحقاً خليفته الأول.
وقال القديس خوسيماريا متحدثاً عن الطوباوي ألفارو: «إذا سألتموني: هل كان بطلاً؟ أجيب: نعم، لقد كان بطلاً مرات كثيرة، بطولة تبدو عادية. وأتمنى أن تقتدوا به في أمور كثيرة، لكن خصوصاً في أمانته. فعلى مدى سنوات دعوته الطويلة، كانت لديه فرص كثيرة، من الناحية البشرية، ليغضب أو ينفعل أو يخون الأمانة؛ لكنه احتفظ دائماً بابتسامة وأمانة لا مثيل لهما».
إن الرب ينتظر من كل واحد منا أن يكون أميناً للإنجيل، رجلاً أو امرأة إيمان، يحمل النظرة الفائقة للطبيعة إلى جميع مجالات الحياة الإنسانية: العائلة، والصداقة، والعمل، والجهود المشتركة للنهوض بمبادرات رسولية. ونحن مدعوون إلى تنمية أمانة مفعمة بالفرح، ثمرة التواضع والبساطة والسكينة والسلام، وهي الصفات التي كانت تملأ قلب الطوباوي ألفارو وتفيض منه، حتى من دون أن يشعر، على كل من حوله.

تطويب المطران ألفارو دل بورتيو، أول خليفة للقديس خوسيماريا على رأس عمل الله، مدريد، ٢٧ أيلول ٢٠١٤.
في هذا اليوم المبارك، نطلب من الله، بشفاعة الطوباوي ألفارو، أن يسكب في قلوبنا «المشاعر نفسها التي في المسيح يسوع» (في ٢: ٥). وهكذا تنعكس أمانتنا في تصرفاتنا، من خلال موقف دائم الترحيب والتفهّم، وخدمة الآخرين، بما يقودنا أيضاً إلى مشاركة العطايا التي نلناها من الرب مع كثيرين.
في ١٥ أيلول ١٩٧٥، اختير الطوباوي ألفارو خليفة للقديس خوسيماريا. وفي ٢٨ تشرين الثاني ١٩٨٢، أقام البابا يوحنا بولس الثاني عمل الله حبراً شخصياً وعيّنه حَبراً عليه. وفي عام ١٩٩١، منحه السيامة الأسقفية. وخلال ما يقارب عشرين عاماً على رأس العمل، كان الطوباوي ألفارو «الوكيل الأمين الحكيم» (لو ١٢: ٤٢)، مكرساً بالكامل للمهمة التي أوكلها الله إليه، وممارساً فضائل الراعي الصالح.
«لقد سعى دائماً إلى قيادة النفوس نحو الحياة الأبدية، مظهراً، من خلال جهاده الروحي والإنساني للسير مع المعلّم، الطريق المؤدي إلى القداسة، مفكراً ليس فقط بمؤمني الحبرية، بل أيضاً بكثيرين ممن كانوا يطلبون منه المشورة أو كلمات التشجيع لحياتهم الروحية أو للجماعة التي ينتمون إليها. وللجميع، قدّم الطوباوي ألفارو صلاته وحكمته الإنسانية والروحية، واضعاً خير النفوس والكنيسة في قلبه (...) كم صلى طالباً من الرب النور ليعرف كيف يقود قطيعه والأشخاص الذين كانوا يلجأون إليه! »

«ليساعدكم مثال الطوباوي الجديد (ألفارو دل بورتيو) على الاستجابة بسخاء لدعوة الله إلى القداسة والرسالة الرسولية في الحياة العادية، في خدمة الكنيسة والبشرية جمعاء». البابا فرنسيس، المقابلة العامة، ١-١٠-٢٠١٤.
وعند تطويبه، أرسل البابا فرنسيس رسالة إلى حبر عمل الله، جاء فيها: «إن محبته للكنيسة، عروس المسيح، التي خدمها بقلب خالٍ من المصالح الدنيوية، بعيداً عن الانقسام، مستقبلاً الجميع، وساعياً دائماً إلى رؤية ما هو إيجابي عند الآخرين، وما يوحّد ويبني، كانت أمراً لافتاً بشكل خاص. لم يكن يشتكي أبداً ولا ينتقد، حتى في الأوقات الصعبة جداً، بل، كما تعلّم من القديس خوسيماريا، كان يرد دائماً بالصلاة والغفران والتفهّم والمحبة الصادقة».
ويمكننا أن نطلب من أمنا السماوية أن تنال لنا من الرب محبة تتزايد يوماً بعد يوم للنفوس، وللكنيسة، وللبابا. لقد كان هذا الشوق إلى تنمية هذه المحبة متجذراً بعمق في قلب الطوباوي ألفارو. وخلال حج إلى مزار فاطيما، صلى قائلاً: «أعلم أنكِ تسمعيننا دائماً، لكننا جئنا مع ذلك من روما لنقول لكِ ما تعرفينه مسبقاً: إننا نحبكِ، لكننا نريد أن نحبكِ أكثر. ساعدينا لكي نخدم الكنيسة كما تريد هي أن تُخدم: بكل قلبنا، وبتفانٍ كامل، وبأمانة وإخلاص».
