عظة للمطران بولس مطر بمناسبة إعلان قداسة القديس خوسيماريا في روما

يدعونا الأب إسكريفا اليوم الى إرتداد جديد في أشخاصنا باتجاه الله الذي يقود عملنا بحبه الإلهي. ويذكرنا بالقديس اوغسطينوس الذي أفهمنا ببلاغته أن كل أعمالنا الصالحة تنبع من الله ومنا بذات الوقت, وقد قال في ذلك: أنّ الله عندما يتوّج أعمالنا إنما هو يتوّج عطاياه.

عظة لسيادة المطران بولس مطر رئيس أساقفة بيروت.

روما، كنيسة Trinità dei Monti, 9 تشرين ألأوّل 2002.

في تقديس الطوباوي خوسيماريا إسكريفا, مؤسس حبرية "Opus Dei" أي "عمل الله", نرفع الصلاة شكراً للربّ على إعطائه إيانا قديساً جديداً خطّ نمطاً في القداسة مختلفاً, كم يحتاج اليه عالم اليوم في سعيه نحو الأفضل وفي تقدّمه على طريق خلاصه.

وإنّي كلبناني أشكر الرب مكرراً على هذا التقديس, اذ أعطى وطننا شفيعاً مميزاً بشخص الأب إسكريفا الذي حمل في قلبه منذ بداية رسالته قضية الوجود المسيحي في لبنان وفي الشرق. أولم يعبّر باكراً عن رغبته في زرع مؤسسته الروحية على الضفاف الشرقية للمتوسط, هذا البحر الذي يشكل صلة الوصل المباشر بين بلده ولبنان؟ وها هي رسالة

"Opus Dei" تنتشر الآن في لبنان, فتتحقق فعلاً أمنية هذا الرجل الاستثنائي في تكريسه الله.

لقد اعتبر قداسة البابا يوحنا بولس الثاني في لقائه أعضاء مؤتمر Opus Dei الذي عقد في روما بين ٨ و١١ كانون الثاني ٢٠٠٢, رسالة الطوباوي إسكريفا أنّها "تثمين للحياة اليومية بوصفها طريقاً نحو القداسة". وقد أثار قداسته في المناسبة الميزة الكهنوتية للطوباوي الذي ادرك, منذ رسامته, أن الدعوة الى ملء المحبة ليست موجهة الى الاكليريكيين فقط بل الى كل المعمّدين.

وبالواقع, فان خيار الأب إسكريفا استند في تذوره الى اللاهوت عينه ومنه اطلّ على التاريخ الذي يشهد, يوماً بعد يوم, تقدم ملكوت الله. وفي عظة له ألقاها أمام طلاب جامعيين في نافار في ٨ تشرين الأول 7١٩٦, أعلن أن حقل ملكوت الله ليس سوى العالم بالذات, والعالم كله, وقال: "لو كانت المسيحية مجرد روحانية لكان مكانها في الهيكل وليس في العالم, ولكانت حياة النعمة تلمس مسار التاريخ" دون أن تتوغّل فيه, وكأنّ المسيح هو مخلص للنفوس فقط, وليس مخلّصاً للعالم بكلّيته.

وكيف يكون خلاص العالم ان لم يكن في تحويله من الداخل, في سياق التاريخ بالذات, من خلال كل عمل وكل جهد يتحقق في سبيل الله؟ بديهي أن "وجه هذا العالم يزول" بل سينتهي الى ما هو أسمى منه, بيد ان العالم سيكتمل أيضاً كما لوحة الفنان, اكتمالاً يكون ثمرة مشاركة الشعوب الذين يحققون على الأرض إرادة الله.

القداسة نعني حينئذ أن يعمل الناس على الشكل الكامل ما عليهم عمله, في حياتهم اليومية, لمجد الله ولخدمة الآخرين.

أ ليس في هذه النظرة من الأب إسكريفا إستعادة للاهوت القديس بولس الذي يعتبر اننا "اذا أكلنا أوشربنا فاننا تقوم بذلك تمجيداً الله؟" الى ذلك, فان القديس بولس لا يقسم العالم الى مستويين, أحدهما دنيوي والآخر مقدس, وهو عندما وجّه رسائله الى مسيحيي المدن التي حمل اليها الإنجيل, كان يناديهم جميعهم بالقديسين, دون تمييز. إن هذا يعني حتماً أن كل المؤمنين مدعوّون الى القداسة, دون أن يكونوا خارج العالم ودون ان تكون لهم دعوة خاصة, ومن دون تفريق بين أحدهم وآخر. ومن لا يؤخذ بالشبه القائم بين رسالة كهنة Opus Dei حيث ان نشاطهم يتجه الى التعليم لا الى العمل رعوي التقليدي, وبين رسالة بولس الذي قال عن نفسه أنّه لم يعمّد اناساً كثيرين لأن الله قد أرسله لا ليعمّد بل ليبشر بالإنجيل؟َ!

لا نناقش هنا في أهمية الخدمة الرعوية للأسرار, اذ إن حياة الكنيسة من دون الأسرار ومن دون الرعويات تفقد معناها, ولا نجادل أيضاً في الحياة التأملية أو الرهبانية, لأنّ الدعوات في الكنيسة تتكامل, وبمقتضى مواهب مختلفة آتية من الروح الواحد. ولنا مثل عن ذلك في حياة القديسة تريزيا الطفل يسوع وفي حياة الأم تريزيا دي كلكوتا, حيث مصدر إلهامهما هو الله الواحد ذاته, فيما التعبير عن شهادتهما يختلف بين تريزيا الأولى وتريزيا الثانية.

وبالنتيجة فان الأب إسكريفا عندما أكّد أن الروحانية التي تغذى منها انما هي روحانية الكاهن العلماني الذي يعمل مع الناس حيث هم في محيطهم, فانما حدد بهذا خصوصيته كما انه فعل ذلك بحكم حاجة حقيقية في عالم اليوم, وهي حاجة حمل الكنيسة الى قلب العالم بعد ان أرادها التاريخ في أوروبا على مدى قرنين كنيسة مهمّشة ومحصورة في السكرستيا.

ان الدعوة الرهبانية تبقى بالتأكيد غنى للكنيسة وإكليل مجد على وجهها المضيء, غير أن نظرة معينة الى الحياة الرهبانية توحي أحياناً بان العالم منقسم بين دنيوي ومقدس مما جعل الكثيرين ممن هم القوى الحية خارجين عن تأثير الإنجيل. غير أنه اذا كانت الكنيسة خميرة الأرض فان الأرض كلها تكون العجينة ولا ينتج التخمير بالفصل بين هذين العنصرين. لقد تحرك الأب إسكريفا امام هذه الحقيقة فالتزم مع صحبه بما أوصاه الرب. وهكذا أراد منذ البدء أن يرى ان إطلاق Opus Dei كان معداً لينشر في العالم أجمع كما في بحر بلا شاطئ.

ليس من شك ابداً أن الأب إسكريفا كان يفكر للكنيسة جمعاء وليس لمجموعة او نخبة ممن سيلبون نداءه الخاص. وها هو قديسنا الجديد يطلّ, بُعيد تقديسه, مبيّناً المعنى الكامل لحياته وانجازه, مضيئاً وجه الكنيسة بانعكاس جديد لبهاء وجه الله غير المتناهي.

ومن الآن لم يعد الأب إسكريفا ملكاً لحبريّته, كما لم يكن لها مرة, بل أصبح معترف إيمان في الكنيسة الجامعة وشاهداً ليسوع المسيح في العالم كله.

اما نحن الحاضرين هنا ومعنا كل أبناء الكنيسة فلنا أن نتساءل عن المعنى الذي يحمله الينا هذا التقديس. وتتّجه أنظارنا اولاً الى حبريّة Opus Dei ثمرة صلاة القديس الجديد وعمله. فمن كل قلبنا نهنئ سيادة المطران كزافيي إيتشيفريّة, حبر المؤسسة, وكذلك كل معاونيه وكل أعضائها المنتشرين عبر بلدان كثيرة والمنتمين الى ثقافات مختلفة, وإننا لنقوم بهذا الواجب بفرح واعتزاز.

وفي ما هو أبعد من كلام المناسبات, نتوجه الى قديسنا الجديد لنطلب من الله بشفاعته تثبيتنا في الإيمان وزيادة رجائنا بعالم أفضل, مفتدى بدم مسيحه كما أدعو إلى الله أن نتمسك بالقداسة كقوة تغيير و سلام.

أن الشرّ يستشري حولنا, ولنقل انه في داخلنا أيضاً. ولكن الشر لا يلغي بالقوة المادية مهما كانت بل بقوة المحبة التي وضعها الله في قلوبنا.

أن الأب إسكريفا يدعونا اليوم الى إرتداد جديد في أشخاصنا باتجاه الله الذي يقود عملنا بحبه الإلهي. ويذكرنا بالقديس اوغسطينوس الذي أفهمنا ببلاغته أن كل أعمالنا الصالحة تنبع من الله ومنا بذات الوقت, وقد قال في ذلك: أنّ الله عندما يتوّج أعمالنا إنما هو يتوّج عطاياه

وهكذا نعود الى حياتها اليومية بحماس متجدد, ونجسد حب الله في أعمالنا العادية, كبيرة كانت أم صغيرة.

العالم بنتظرنا, ليتنقّى من أفكاره المضلّلة ومن كل تأثير سيئ قد يواجهنا, وفي هذه الحال قد ندفع مع المسيح من تضحياتنا وحياتنه, ولقد دلنا الأب إسكريفا على الجبهة الحقيقية للمعركة التي إنتصر فيها بشخصه, وها أن إنتصاره اليوم يعلن رسمياً. ومعه, وقد أصبح في المجد, نصعّد الى الله هذه الصلاة من إبنه مردّدين:

"ليتقدس إسمك يا رب ولتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض".