عظة الكاردينال بيتشو بمناسبة تطويب غوادالوبي أورتيز

نص العظة التي ألقاها الكاردينال أنجلو بيتشو، عميد مجمع دعاوى القديسين، ممثلاً البابا في تطويب غوادالوبي أورتيز دي لاندازوري.

ملفات أخرى
Opus Dei - عظة الكاردينال بيتشو بمناسبة تطويب غوادالوبي أورتيز

عظة الكاردينال أنجيلو بيتشو

عميد مجمع دعاوى القديسين

بمناسبة تطويب خادمة الله المكرّمة غوادالوبي أورتيز دي لاندازوري

"أنتم نور العام" (متى 5، 14)

إخوتي وأخواتي الأعزّاء:

عندما نسمع كلام المسيح الموجّه إلى التلاميذ، والذي قد تمّ تلاوته على مسمعنا اليوم، يكاد الخوف يسيطر علينا. ونودّ لو أننا نجيب المعلّم مباشرةً: نور العالم هو أنت! وفي الواقع، يأتي على بالنا ما قاله هو عن ذاته: "أنا نور العالم، من يتبعني ... يكون له نور الحياة" (يو 8: 12). إلّا أن هذه الصفحة من الإنجيل تذكّرنا بأن المسيح يقول عنّا نحن أيضًا أننا نور العالم، لأننا استقبلناه، وهو الي أتى إلى العالم ليس لكي يكون النور فقط، بل أيضًا لكي يعطي النور وليمنحه إلى عقول وقلوب الذين يؤمنون به. هذا ما يريده يسوع منّا بالذات عندما يقول: "أنتم نور العالم". وإنه يضيف: "لا تخفى مدينة على جبل، ولا يوقد سراج فيوضع تحت المكيال، بل على المنارة ليضيء لجميع الذين هم في البيت" (متّى 5: 14-15).

وبالتالي، لدينا مهمّة. لدينا مسؤولية بفضل الهبة التي حصلنا عليها: المسؤولية المترتّبة عن النور الذي قد تم نقله إلينا. لا يمكننا فقط أن نستحوذ عليه وأن نحفظه لنا، بل إننا مدعوون لإعطائه إلى الآخرين، لمنحه؛ علينا أن نجعله يلمع "أمام الناس" (آية. 15).

أدركت الطوباوية ماريا غوادالوبي هذه الحقيقة. هي بالنسبة لنا مثالٌ لكيفية إظهار هذا النور الذي هو المسيح وكيفية نقله إلى الإخوة. نرى أنفسنا اليوم، بالفعل، أمام امرأة كانت حياتها مضيئة فقط بفضل وفائها للإنجيل. بشخصيتها المتعدّدة المزايا وبسرعة بديهتها، كانت نورًا للذين التقت بهم على مدى حياتها، مظهرة شجاعة وفرح العيش اللذين كانا ينبثقان من تسليم ذاتها لله الذي كانت تعيش برضى أكبر لإرادته يومًا بعد يوم. واكتشاف ارادة الله هذه جعل منها شاهدة شجاعة ومبشّرة بكلمة الله.

شكّل اتحادها الدائم والحميم بالمسيح مصدر خصوبة حياتها المسيحيّة. فحديثها مع الله كان متواصلاً منذ يفاعة عمرها وكان يتحقق بشكلٍ فريد من خلال المشاركة بكثافة بالأسرار ومن خلال فترات الخشوع الطويلة: القدّاس الإلهي والإعتراف كانا عامودين أساسيين في حياتها الروحيّة. وصلاة المسبحة بتعبّد كبير كان علامة واضحة على صلتها العميقة بوالدة الإله التي كانت تلجأ إلى شفاعتها.

سارت ماريا غوادالوبي على طريق الصلاة المتكامل والناضج، وقد دفعها باتجاه اختبار حضور الله وحبّه الرحيم بطريقة عميقة وباطنيّة. ففي الواقع، إن تأمّلها بالسرّ الفصحي كان مصدر نور الحقّ الذي قاد خطاها. وهذا النور قد حوّلها إلى "مصباح" موضوع على "المنارة ليضيء لجميع الذين هم في البيت" (آية 15).

وسرعان ما ظهر الصليب في حياتها. ففي فترة الحرب الأهليّة الرهيبة، تقبّلت بقوّة بطوليّة ناتجة عن إيمان ورجاء ومحبّة بطوليّة أيضًا، إعدام والدها، والمخاطر المترتّبة عن الصراع المسلّح، والإبتعاد عن مدريد، والفقر، وتوقّفها عن الدراسة. وفي قلب تلك الصحراء الروحيّة والماديّة جرى لقاء حوّل كلّ مجرى وجودها. فبعد أن لمست "النعمة" في قدّاس الأحد، شعرت برغبة في لقاء أحدٍ ما بإمكانه أن يساعدها على إيجاد أجوبة أعمق لواجباتها الروحيّة. وهكذا، ومن خلال صديق، تعرّفت إلى مؤسس الـ"أوبس داي". شكّل اللقاء خطوة حاسمة نحو حياة وهب ذات كامل لله. وعندما انتسبت إلى "عمل الله"، أظهرت استعدادًا وروح متحمّسة وسخيّة لإيصال فرح إيجاد "اللؤلؤة الثمينة" للجميع وإلى كل الأماكن، وهي لؤلؤة الإنجيل. فبدأت تطوّر عملاً رسوليًا كثيفًا في أماكن عدّة، بانية صداقات مع الفتيات بسهولة. وكانت هذه الصداقات مبنية على إيمانها وتقواها ومحبّتها وفرحها السليم والمعدي. فإنها كانت قد تعلّمت أن الإتحاد بالله لا يمكنه أن يكون محدوداً بفترة صلاة في الكنيسة، بل إن النهار بأكمله هو فرصة لتقوية العلاقة مع الربّ. فإحدى مزاياها الروحيّة كانت، في الواقع، قدرتها على تحويل كلّ ما تقوم به إلى صلاة. وفي هذا الإطار، كانت تحبّ أن تكرر بأنه يجدر السير "والأرجل على الأرض، ولكن النظر متجّه دائمًا نحو السماء، لرؤية الأمور التي تجري من حولنا لاحقًا بوضوح أكبر" .(Informatio, Sec. II, Biographia documentada, p. 46)

عندما سألها المؤسس، خوسيماريا اسكريفا دي بالاغير، عن استعدادها للذهاب إلى المكسيك لبدء الـ"أوبس داي" هناك، قبلت بذلك بسرعة وبفرح. لم يكن لديها أي هم آخر سوى أن تكون وسيلة مطيعة بين يدي الله. وضعت ذاتها تحت شفاعة عذراء غوادالوبي لكي تساعدها على تخطي الصعوبات العائلية التي يمكن تفهمها وللتحضر روحيًا من أجل إتمام ما يريده الله منها.

في المكسيك، استند عملها الرسولي على حب الله الذي كان يترجم بحياة تقوى وتسليم الذات بين يديه وبغيرة رسولية؛ كانت تحمل قبل كلّ شيء همّ تنشئة اللواتي أتين حديثًا بشكلٍ جيّد؛ وكانت تشدّد على أهميّة المثابرة؛ كانت تقوّيهم بروح الصلاة والتقشّف والتضحية. كان من الواضح أنها تعمل فقط لمجد الله ولنشر ملكوته.

كانت طائعة ومتواضعة وسعيدة كالعادة عندما طُلب منها التوجّه إلى روما للمساعدة بالأعمال الإدارية، وخصصت وقتها لهذه الأعمال وللصلاة. وبعد عودتها إلى اسبانيا، رجعت إلى التعليم وتنشئة الشابات في "عمل الله": كان وقت الإلتزام الحاسم والسخي والمستمرّ والفرح من أجل عيش الإنجيل دائمًا وبتصميم أكبر؛ وكان ذلك إجابة واعية لحبّ الله، التي كانت تشعر أنها تلبسه، خصوصًا في الأوقات الأكثر صعوبة في حياتها، مع تصميمها على أن تكون قدّيسة، تابعةً روحانية الـ"أوبس داي"، تحرّكها برغبة كبيرة في إشراك أكبر عدد من الإخوة والأخوات في المغامرة نفسها.

علمت الطوباوية غوادالوبي كيف أن تكون في كل الظروف، هبة للآخرين، مهتمّة بشكلٍ مميز بتنشئة الطلاّب وبالبحث العلمي من أجل تشجيع التقدّم البشري. وكان قلبها دائمًا مفتوحًا لحاجات الآخرين، مترجمة هذا الأمر بطريقة تصرّف متفهّمة ومرحّبة. أظهرت أنها امرأة قويّة في كل الظروف. وكانت قوّتها تظهر بشكلٍ واضح في خضمّ الصعاب، في قيامها بأعمال رسوليّة جدية، وفي أنجلة المهمّشين، وبشكلٍ خاص، في معرفة كيفيّة قبول الآلام الجسدية التي كانت تحدّ حياتها اليومية بشكلٍ جدّي بصبر. قبلت بكلّ شيء من دون استثناء، من دون التذمّر، وحوّلت مرضها إلى تقدمة رائعة لله وإلى فرصة لإتحاد أعمق مع المصلوب.

تقول لنا الطوباويّة الجديدة، نحن مسيحيو اليوم، أنه من الممكن التوفيق بين الصلاة والنشاط، وبين التأمل والعمل، بحسب نمط حياة يدفعنا إلى أن نثق بالله وإلى الشعور بأننا تعبير عن إرادته التي علينا أن نعيشها في كل لحظة. وبالإضافة إلى ذلك، تعلّمنا أن التمتّع بقدرة الإصغاء وبسلوك فرح حتّى في قلب الظروف المؤلمة، هو لأمر جميل وجذّاب. وبذلك، تشكّل غوادالوبي مثالاً للمرأة المسيحية الملتزمة دائمًا حيثما ما يريد مشروع الله لها أن تكون، خصوصًا في الشأن الإجتماعي وفي البحث العلمي. باختصار، شكّلت هبة للكنيسة بكاملها وهي مثالٌ قيّم للإتّباع.

غناها بالإيمان والرجاء والمحبّة هو دليل رائع على ما أكده المجمع الفاتيكاني الثاني حول دعوة جميع المؤمنين إلى القداسة، محددًا أن كلّ واحد "يسير في طريقه" (نور الأمم، 41). وقد تمّت اليوم هذه النقطة التي حددها المجمع، عبر تطويب هذه المرأة، ونحن نلجأ إلى صلاتها وشفاعتها لكي نكون دائمًا شهودًا أفضل على النور ومصابيح تضيء عتمة زمننا.

نعم، فلنجأ إليها: يا أيتها الطوباوية ماريا غوادالوبي، صلّي لأجلنا!.