الحرب الأهلية الإسبانية

اندلعت الحرب الأهلية الإسبانية في ثلاثينات القرن الماضي واندلع معها إضطهاد كبير للكنيسة وصف بأنه الأكثر عنفاً في تاريخها. فقد إنقسمت إسبانيا إلى حزبين، وانطلقا في حرب أخويّة. كالكثيرين غيره من الكهنة، خاطر الأب إسكريفا بحياته وراح يختبئ من مكان إلى آخر.

السيرة الذاتيّة

3 كانون الأول, خوسيماريا والمجموعة التي رافقته خلال عبور جبال البيرينيه

حرب إسبانيا الأهليّة

30 آب 1936. منذ أكثر من شهر بقليل، إنقسمت إسبانيا إلى حزبين، وانطلقا في حرب أخويّة. كالكثيرين غيره من الكهنة، خاطر الأب إسكريفا بحياته وراح يختبئ من مكان إلى آخر. وقتل الميليشيّون شنقًا، أمام منزل والدته، رجلاً يشبهه، ظنًّا منهم أنّه هو. إنّه الآن مختبئ عند أصحاب، مع جان - واحد من أعضاء العمل الأوّل – وشابّ آخر إلتقاه قبل يومين. حوالي الثّانية بعد الظهر، مجموعة من المسلّحين تقرع الباب، مفتّشين هكذا بيتًا بيتًا، سعيًا وراء أعداء لقتلهم، بخاصّة إذا كانوا كاثوليكيّين، وبالتّأكيد أي كاهن أو رجل دين. لدى فتحها الباب، قالت الخادمة المسنّة بصوت عالٍ، كي تُسمع في أرجاء المنزل:

"آه، جئتم للتّفتيش ... السّيّد ليس هنا، لكن تفضّلوا!"

خرج الثّلاثة على عجل عبر درج الخدمة، وراحوا يلجأون إلى سقيفة. جلسوا القرفصاء هناك خلف أمتعة بالية. مضت السّاعات، بلا نهاية، وفي صمت. في هذا الوقت الأبحاث مستمرّة، والمسلّحون هم الآن قريبون من السّقيفات. دخلوا في واحدة محاذية. فقال الأب بصوت منخفض للشّابين:

"وضعنا حرج. إذا شئتم، أتلوا فعل النّدامة، وسوف أعطيكما الحلّة".

أعطاهما الحلّة. ثمّ سأله جان: "أبتاه، إذا قتلونا الآن، فماذا يحدث؟"

"حسن، بُني، سوف نذهب مباشرة إلى السّماء".

إطمئنّ جان ونام. إنّما ها يُسمع التّفتيش الدّقيق في الحجرة المجاورة. خرج المسلّحون. أتت السّاعة...

لكن لا! إنّهم ينزلون السّلّم ويرحلون. فتنفّس الثّلاثة الصّعداء، إنّما بقوا بلا حراك حتّى السّاعة الحادية والعشرين، آن يوصد مدخل البناء. إنّهم متعرّقون، جافّون، قذرون، مضطربون. واحد من الشّابين نزل إلى شقّة يسأل:

"أتسمحون لي بكوب من الماء؟"

أدخلته المرأة الّتي فتحت الباب، مذهولة.

"هناك شخصان آخران بعدُ فوق".

"قل لهما أن ينزلا حالاً!"

وهكذا استطاعوا أن يغتسلوا ويبدّلوا ثيابهم. فضحك الأب، ليستخلص عبرة من الحدث: "حتّى اليوم، لم أكن أعلم كم يكلّف قدح من الماء!"

إستضافتهم السّيّدة، وهم لم يرفضوا ضيافتها طبعًا. في الغد، إستُؤنفت عمليّات التّفتيش. والمسلّحون يقرعون الباب غالبًا طلبًا للعون. وفي كلّ مرّة يرتجفون جميعًا خوفًا. إقترحت السّيّدة أن يتلوا المسبحة، فاقترب الأب، دون أن يخبّئ هويّته:

"سوف أدير الصّلاة. إنّي كاهن".

في الغد، شكر العائلة الّتي استضافته معلنًا أنّه سيغادر فورًا، لأنّه لا يريد أن يشكّل خطرًا عليها أو يعرّضها لذلك.

ها هو إذًا مجدّدًا يسعى وراء ملجأ، وهو لا يبدو له أمينًا.

عند إنطلاقة الحرب، اضطرّ عدد أعضاء العمل القليل للتفرّق. الأب – كما كان أبناؤه الرّوحيّون يسمّون عاطفيًّا المؤسّس – كان يذهب لرؤيتهم من مكان إلى آخر، في ظروف خطرة دائمًا. رفض بقوّة بطوليّة فكرة أن يكون عنده مخبأ أمين خاصّ به، إذ لم يكن ذلك ليتوافق مع وضعه الكهنوتيّ. كان الشّارع أحيانًا المكان الأكثر أمانًا، فكان يسير من الصّبح إلى المساء، مختلطًا بالجمع.

أوقات صعبة، فرح وتبشير

رسم يصوّر القديس خوسيماريا خلال عبوره جبال البيرينيه

رغم الأخطار المعاشة، كان يواظب على الاحتفال بالقدّاس، عندما يتوفّر له ذلك. ويقدّم عونًا روحيًّا لأشخاص عديدين، إضافة إلى أعضاء العمل، ممّن كان يلتقيهم. وقد وعظ حتّى في رياضات روحيّة، ضاربًا مواعيد لأناس، في أماكن غير منتظرة. وكان أيضًا يتلقّى أخبار كهنة أصدقاء، كانوا قد استشهدوا.

وجد ملجأ مؤقّتًا، لبضعة أشهر، في عيادة للأمراض النّفسيّة، حيث، بفضل تواطؤ المدير، الدكتور "سويلز" (Suils) ، تظاهر بأنّه مجنون. واستطاع أخيرًا أن يُستقبل مع بعض من صحبه، في قنصليّة هوندوراس. نظرًا لكون البناء ديبلوماسيًا، كان المكان يضمن بعض الأمان. والأماكن الّتي كهذه كانت تعجّ باللاّجئين، وتفتقد إلى الغذاء. الجوّ كان متوتّرًا ومحبطًا. فنظّم الأب برنامجًا لشبيبته، حاثًّا إيّاهم على الدّرس، ملقيًا عليهم تأمّلات، وكان حتّى يحتفظ بالقربان المقدّس في أثاث صغير. أما غبطته الكبرى فكانت لتمكّنِه من الاحتفال بالذّبيحة يوميًّا. وكان المهندس إيزودور زورانو يؤمّن الاتّصال بينهم وبين جماعة الخارج، لأنّه كان يستطيع التّنقّل بحرّيّة، بصفته مواطن أرجنتينيّ.

لكن كم ستطول هذه الحرب؟ كم من الوقت يستطيعون أن يبقوا في هذا الوضع، دون أن يندفعوا في نشر العمل؟ إفتكر بذلك، ثمّ استشار الشّباب الّذين كانوا معه. فاستخلصوا بوجوب الانتقال إلى الجهة الأخرى من إسبانيا، حيث حياة مسيحيّة طبيعيّة كانت ممكنة. لكنّ السّبيل الوحيد، رغم خطورته ونجاحه غير المضمون، يقضي بعبور "البيرينه" (Les Pyrénées) ، وفرنسا. آنذاك كنّا في شهر أيلول 1937.

عبور جبال البيرينيه

وردة خشبية وجدها القديس خوسيماريا داخل كنيسة مدمّرة

كان من السّهل التّساؤل لماذا تنشب كلّ هذه الصّعاب بوجه مشروع واضح الألوهة؟ لماذا يسمح الرّبّ بأن تصادف معوّقات كهذه؟ لكنّ الكاهن الشّابّ، الّذي منذ حداثته، تجرّع مرارة الآلام السّخينة، أصبح الآن خبيرًا في علم الصّليب. فهو لم يكن يكتفي بتحمّل السّبل الّتي كانت تفرض عليه، وهي غالبًا لا تُفهم، والّتي بها ينتصر السّيّد ويخلّص : بل كان يفهمها بالعمق. كان مقتنعًا بها لحياته كلّها. هذا ما كتبه، متكلّمًا عن نفسه: "لدى احتفالك بعيد ارتفاع الصّليب، رجوت الرّبّ بكلّ قوى نفسك، ليهبك نعمة "رفع" الصّليب المقدّس في مواهبك، وحواسّك... إنّها حياة جديدة! كأنّه طابع يؤمّن صحّة سفارتك ... كيانك برمّته على الصّليب!"

لم يكن اتّخاذ القرار سهلاً على المؤسّس. ففكرة التّخلّي عن قسم من ذويه، والدته، شقيقته وشقيقه في مدريد الثائرة، كانت تقلقه. من جهة أخرى، كان يشعر بضرورة المتابعة بشدّة للرّسالة، الّتي يعرفها كونها مشيئة الله. وكان ذلك ممكنًا، قدر الإمكان، في المنطقة الأخرى.

وصلوا إلى برشلونة في 10 تشرين الأوّل، وفي حوزتهم أوراق مؤقّتة. من هناك كانت تنطلق قافلات من اللاّجئين، يقودها جبليّون ومهرّبون. وكان يتمّ كلّ شيء في سرّيّة تامّة، كما كان يتطلّبه الخطر الحقيقيّ. إضطرّوا للانتظار بضعة أيّام، بلا مال، يتضوّرون جوعًا، قبل أن يتمكّنوا من إجراء الاتّصالات الضّروريّة. لم يجهز الموكب إلاّ في منتصف تشرين الثّاني.

عبور الجبال سيرًا على الأقدام، في فصل أضحى الآن باردًا، سائرين ليلاً ومختبئين نهارًا، بلا أيّة عدّة، مع التّعب المتراكم طوال شهور من الحرمان، مع المجازفة الدّائمة بإمكانيّة توقيفهم وإطلاق النّار عليهم... لم تكن مهمّة سهلة على أحد، أقلّه لأناس سبق أن امتُحنوا بحرب طويلة وغير إنسانيّة. كانت المراحل عديدة وقاسية جدًّا. وكان مرشدو الطّرقات يأمرون أحيانًا بالانتظار لأيّام كاملة في المكان نفسه. كشف الأب منذ اللّحظة الأولى وضعه ككاهن، وكان يحتفل بالقدّاس كلّما كان الأمر ممكنًا. كان الأخير في حمى مغارة، راكعًا، متّخذًا من صخرة مذبحًا. كان الحضور متأثّرًا: "لم أحضر قدّاسًا إطلاقًا كقدّاس اليوم. لا أدري إذا ما كان ذلك بسبب الظّروف أو لأنّ هذا الكاهن هو قدّيس"، هذا ما كتبه أحد الحاضرين.

في 2 كانون الأوّل إجتازوا بسلام حدود أندورا، رغم طلقات ناريّة كانت باتّجاههم. كانوا منهكين، إنّما سليمون. عاصفة ثلجيّة غزيرة إحتجزتهم في الإمارة لبضعة أيّام. أخيرًا استطاعوا الانطلاق مجدّدًا، وعبور فرنسا، لكن ليس بدون التّوقّف في لورد لشكر القدّيسة العذراء. لدى عبورهم الحدود الإسبانيّة في هنداي (Henday) ، صلّى الأب "سلامًا يا ملكة"، (Salve Regina).