"البابا الرحّال" يرفع على مذابح الكنيسة طوباوياً وشفيعاً للعالم أجمع

تتحضر الكنيسة الكاثوليكية لكي ترفع في الأول من أيار المقبل على مذابحها طوباوياً جديداً، أمضى حياته كراعٍ أمين وخادم صالح "فقال له سيده نعمّا ايها العبد الصالح والامين كنت امينا في القليل فاقيمك على الكثير. ادخل الى فرح سيدك" (مت 25 / 21)...

Ordenar

تتحضر الكنيسة الكاثوليكية لكي ترفع في الأول من أيار المقبل على مذابحها طوباوياً جديداً، أمضى حياته كراعٍ أمين وخادم صالح "فقال له سيده نعمّا ايها العبد الصالح والامين كنت امينا في القليل فاقيمك على الكثير. ادخل الى فرح سيدك" (مت 25 / 21)...

وهذه الفرحة التي تعمّ الكنيسة بطوباويها الجديد تنطلق من بولندا، بلده الأم، وصولاً إلى روما ومنها إلى العالم أجمع لأن مهرجان القداسة هذا بطله اليوم البابا يوحنا بولس الثاني الذي أحب العالم بشغف، فأبى إلا وأن يلتقي به وجهاً لوجه... مشجعاً أبناءه على المثابرة بالحياة المسيحية، معبراً بصرامة عندما دعت الحاجة عن آراء كنيسته، وباكياً في بعض الأماكن على أرواح الذين سقطوا كضحايا للحروب والإضطهادات... لذلك يشعر العالم بأنه معني بهذا الإحتفال، ولذلك أيضاً أبى الفاتيكان إلا وأن تشارك القارات الخمس عن كثب به.

من خشبة المسرح إلى خشونة المصنع

ولد كارول فويتيلا في بلدة فادوفيس القريبة من مدينة كراكوف في بولندا عام 1920، وفقد تباعاً كل أفراد عائلته وهو في يفعان شبابه بدءاً بوالدته عام 1929، وأخوه الوحيد عام 1932 ومن ثم والده عام 1941. فواجه الصعوبات الكثيرة في ذلك القرن المتخبط والمليء بالحروب والأزمات وحيداً.

كان مولعاً بالمسرح حتى أنه أراد أن يوماً أن يدرس التمثيل والتحق عام 1938 بجامعة كراكاو وفي مدرسة لتعليم الدراما المسرحية إلا أن الحرب أجبرته على التخلي عن ذلك. ولكن، كان يجتمع مع عدد من الأصدقاء ويقدم مسرحاً سرياً أبان إحتلال بلاده بهدف السعي للحفاظ على العادات البولندية. وبالإضافة إلى ذلك، أظهر في شبابه تفوقاً في الرياضة، ولا سيما في كرة القدم والتزلج.

إلا أن الحرب العالمية الثانية وتحديداً الإحتلال النازي، دفعته لكي يعمل في أحد المصانع ليكسب عيشه، وكان في الوقت نفسه طالب لاهوت سراً لأن السلطات آنذاك كانت قد اتخذت إجراءات صارمة بحق التعليم الديني.

وفي أحد اللقاءات العامة قال البابا يوحنا بولس الثاني في هذا الصدد: إن "تجربة أن أكون عاملاً وفي الوقت عينه طالب في معهد لاهوتي سراً لم تتركني يوماً. في المعمل، عندما كنت أقوم بعملي خلال دوام الـ8 ساعات، ليلاً ونهاراً، كنت أحضر بعض الكتب معي. وكان زملائي يقولون لي: "سنساعدك، ويمكنك أيضاً أن تنام قليلاً ونحن نغطي دورك".

وبذلك، مستعيناً بهذا الدعم وبالمعونة الإلهية، سيم كاهنا عام 1946، وتوجه إلى فرنسا وإيطاليا ليكمل دراساته اللاهوتية لمدة عامين حاصداً شهادة الدكتوراة. وبعد هذه الفترة عاد إلى بلاده فكانت الكنيسة في مضطهدة بسبب النظام الشيوعي. إلا أن فويتيلا حصل على سلسلة ترقيات سريعة فنال لقب بروفيسور عام 1955 وعين عام 1958 كمطران كنيسة كاراكوف وعام 1964 كرئيس أساقفة كنيسة كاراكوف وكاردينالا عام 1967 من قبل البابا بيوس الثاني عشر.

انتخاب "البابا الرحّال"

عرف عام 1978 بأنه عام البابوات الثلاثة: فبعد وفاة البابا بولس السادس، وخلفه البابا يوحنا بولس الذي انتخب في يوم واحد، توفي هذا الأخير بعد 33 يوماً فقط فالتأم مجمع الكرادلة من لإنتخاب بابا جديد، وبعد يومين أصبح كارول فويتيلا الخليفة الـ265 للقديس بطرس وبالتالي البابا رقم 264.

واتخذ رأس الكنيسة الكاثوليكية الجديد آنذاك لنفسه لقب يوحنا بولس الثاني تكريماً لسلفه، مفتتحاً به عهداً تميز بالحيوية وبالقرب من الناس وبالثبات على المبادئ. وكان لإنتخابه الذي جرى في 16 تشرين الأول 1978 وقعاً فريداً إذ إنه كان أول بابا غير إيطالي منذ عام 1522.

لقّبه البعض بـ"محطم الأرقام القياسية": فخلال عهده زار 129 دولة نذكر منها نيكاراغوا وتشيلي، كوبا حيث احتفل بقداس إلهي بحضور القائد الشيوعي فيديل كاسترو، الأراضي المقدسة، سوريا ولبنان.

كان أول بابا منذ 450 عاماً يقوم بزيارة بريطانيا الانغليكانية، محاولاً تحسين علاقات الكنيسة الكاثوليكية مع الأنكليكان، ودخل كأول بابا على الإطلاق كنيسة بروتستانتية.

وبالإضافة إلى ذلك كان أول بابا يزور معبداً يهودياً، هذا وزار مسجداً عام 2001 في دمشق.

ومن ضمن زياراته التاريخية زيارة بلده بولندا، الذي كان تحت الحكم الشيوعي الملحد آنذاك، فأججت هذه الزيارة مشاعر البولنديين وكانت أحد أسباب تحول النظام السياسي هناك في آخر الثمانينات.

ومن لبنان وجه رسالة بعد نهاية الحرب التي استمرت لـ15 عاماً، ما زالت تدوي حتى اليوم في أذهان الكنيسة اللبنانية ... فلبنان بالنسبة له "أكثر من وطن... إنه رسالة".

باختصار أراد رؤية العالم وجهاً لوجه.

وبالإضافة إلى كونه "البابا الرحال"، عرف أيضاً بأنه رافع القديسين: فخلال الـ27 عاماً على كرسي بطرس رفع على المذابح أكثر مما رفع كل البابوات السابقين مجتمعين بحسب تقرير أعدته "روم ريبورت" – أي بمعدل قديس أو طوباوي كل 10 أيام إذا قمنا.

وكانت ولايته ثالث أطول ولاية لبابا بعد القديس بطرس والبابا بيوس التاسع.

غير أن المقربين منه يجمعون على أن الرقم القياسي الأبرز الذي حققه هو بعدد الساعات التي كان يمضيها ساجداً أمام القربان المقدس، فبالنسبة لهم إن سره الأكبر كان بصلاته المستمرة والعميقة وبتعبده للعذراء مريم. فهو بذاته اتخذ TOTUS TUUS شعاراً له )أي كلّي لكِ).

اعتذر أكثر من مرة عن أخطاء قامت بها الكنيسة منذ عصور، معتبراً أن هذا الأمر يشكل عملية "تطهير للذاكرة"، وذلك بعد دراسات تاريخية لأن "الإعتذار كان يجب أن يتم عن وقائع حقيقية".

في 13 أيار 1981، في عيد سيدة فاطيما، أطلق تركي اسمه محمد علي أقجا عيارات نارية على البابا يوحنا بولس الثاني في ساحة القديس بطرس في الفاتيكان، ولكنه نجا. وقام بزيارة الجاني في العام التالي في زنزانته وعفى عنه، مقدماً بذلك مثالاً للمسامحة الحقيقية. وعندما تم إخراج الرصاصة من رقبته وضعت في تاج تمثال عذراء فاطيما تكريمًا لها حيث اعتبر البابا نجاته من هذا الحادث معجزة.

"شاب عن عمر الـ85 عاماً"

أحب الشباب كثيراً، حتى قال في أحد اللقاءات معهم "أنا شاب عمره 83 عاماً".

دعا عام 1984 لأول تجمع شبابي، 6 أعوام بعد انتخابه، فلبى الدعوة 300 ألف شخص... وولد يوم الشبيبة العالمي الذي ما زال حتى اليوم يجمع الشباب حول القيم المسيحية.

عانى البابا من مرض "الباركنسون" ، ولكن رغم ذلك لم يتخل يوماً عن روحه المرحة.

وفي 1 شباط 2005 نقل إلى المستشفى لمدة 10 أيام بسبب مشاكل في التنفس، فتحول هذا المكان إلى مركز للحجاج، فكان يصلي معهم من الطابق العاشر للمستشفى صلاة التبشير الملائكي.

وفي 24 شباط خضع لعملية، أفقدته إمكانية التكلّم بشكل كامل ولكنه واظب على الوعظ عبر كتاباته، فحمل صليبه بصمت حتى أيامه الأخيرة. وتوفي في الـ2 نيسان 2005.

تجمع الناس في ساحة مار بطرس ليصلوا المسبحة عندما أعلن الفاتيكان أن الحالة الصحية للبابا متردية، وبعد وفاته طالبوا بان يتم إعلانه قديسا فوراً.

ولكن وفق التقليد الكنسي، لا يجري فتح ملف التقديس إلا بعد أعجوبة يقوم بها هذا الشخص وبعد مرور 5 سنوات على وفاته، لكن البابا بندكتوس السادس عشر أعلن أنه أجرى استثناء، وفتح الملف قبل أوانه خصوصاً بعد عجيبة شفاء الأخت ماري-سيمون بيار من مرض الباركنسون التي حصلت عليها من الله بشفاعته.