كنت ابحث عن الجمال ... فالتقيت بالله

كنت في الخامسة والعشرين من العمر، حزمت امتعتي وذهبت إلى فالنسياValencia بحجّة إعداد الماجستير في الهندسة المعماريّة. لقد قلت فعلاً "بحجّة" لأنّني بالحقيقة كنت أريد أن اذهب إلى أي مكان... لم أكن سعيدة، كنت بحاجة ماسّة إلى التغيير... ولكنّي لم أتخيّل أبداً أن يكون هذا التغيير جذرياً إلى هذا الحدّ.

Testimonios

كنت في الخامسة والعشرين من العمر، حزمت امتعتي وذهبت إلى فالنسياValencia بحجّة إعداد الماجستير في الهندسة المعماريّة. لقد قلت فعلاً "بحجّة" لأنّني بالحقيقة كنت أريد أن اذهب إلى أي مكان... لم أكن سعيدة، كنت بحاجة ماسّة إلى التغيير... ولكنّي لم أتخيّل أبداً أن يكون هذا التغيير جذرياً إلى هذا الحدّ.

طريق في الضّباب

لقد نشأت في عائلة مسيحيّة, أذكر بأنّي كنت أصلّي المسبحة مع جدتي ونذهب لوضع الورود تحت أقدام تمثال سيدتنا "مريم العذراء" نهار السبت.

لقد وجدت مؤخراً آيات من الانجيل كنت قد دونتها من قبل، ولكنّي لم أعد أذكر شيئاً منها. وقد وجدت في احد الأدراج كتاب "طريق " للقديس خوسيماريا اسكريفا. كنت قد قرأت شيئاً منه وأنا صغيرة ولكني لم أفهم شيئاً انذاك.

خلال سنواتي الأخيرة في المدرسة، اجتاحتني رغبة كبيرة أن اخدم الله، وفي الوقت نفسه كنت بحاجة أن اغوص كلياً في العالم.

خلال دراساتي الجامعية، أخذت الأمور منحاً آخر... بدأت تسوء الأوضاع، كنت أعيش بمفردي وبكامل حرّيتي.

لم يكن لديّ أسباب، لم أكن أعرف ما يكفي عن العقيدة والإيمان ليقوّيني ويثبّتني.

لم أكن أنوي فعلاً أن ابتعد عن ممارسة إيماني... ولكن تدريجياً ومن دون تفكير، تركت كل شيء.

مضت سنوات عديدة من دون أن اذهب إلى الإعتراف، وأشهر كثيرة من دون أن اشارك في الذبيحة الإلهيّة...

كل العادات التي اكتسبتها في طفولتي قد زالت... ووجدت نفسي في أحد الأيام بعيدة كل البعد عن الله...

وأصبح طريقي في الضباب...

البحث عن المزيد

في جزيرة ميكونوس اليونانية، مع نهاية نهار جميل جداً، أي شخص كان إعتبره بمطلق الكمال، سألت نفسي: "هل هذه هي الحريّة؟" في تلك النقطة، كنت قد فعلت كل شيء أردته تقريباً، ولكن كنت ما زلت أشعر بالفراغ... فأكملت البحث.

وجاء الله يبحث عني على طريقته الخاصة... من خلال الأشياء التي تعني لي الكثير في حياتي، والتي لم يبدو أن لديها أي صلة به.

كنت دائماً أتذكر نصيحة جدي: "العمل، العمل ثمّ العمل".

لقد اخترت دراسة الهندسة المعماريّة. و فيما كنت اتقدّم في هذا المجال، شعرت بحاجة إلى التّغبير، إلى أن انقل شيئاً أكثر عمقاً... أن اكتشف الجمال... أن ابحث عن الإنسجام... النظام والتكوين... كل هذه الأشياء كانت تكبر شيئاً فشيئاً في داخلي.

 نظرة إلى سهم مشيراً إلى طريق مار يعقوب  (El Camino de Santiago)

في أعماقي كنت أعرف أن هناك شيئاً علي إكتشافه... شيئاً مخفيّاً عن النظر! قررت أن ابحث، واستثمرت وقتي وقلبي في دراساتي.

خلال تلك السّنوات قال صديق لي: "انت تحلمين كثيراً ولكن لا تفعلي شيئاً في النهاية"

وأضاف :"عندما تنظرين إلى السماء، هل تشكرين الله؟"

أخذت هاتين الملاحظتين، وكلي إقتناع بأن علي الرحيل لأتمكن من التّغير... وذهبت إلى إسبانيا.

كان لدي فكرتين واضحتين أمامي:

Au Maroc

- أن ادرس لاتمكن من مساعدات الآخرين, لذا اخترت دراسة الماجستير في السّكن الإجتماعي (Logement Social) والتّنمية المستدامة.

- أن أتعلم أن اشكر الله... ولكن لم يكن لديّ أدنى فكرة عن كيفيّة تحقيقها.

كان هدفي أن أجول العالم وأعيش بمطلق الحريّة. وقد كرّست كل أوقات فراغي في الجامعة للسّفر.

على جزيرة ميكونوس

كنت ابحث عن الإنسجام بين الفنّ والهندسة المعماريّة، وفي نفس الوقت لم أوفّر فرصة للإستمتاع.

في جزيرة ميكونوس اليونانية، مع نهاية نهار جميل جداً، أي شخص كان إعتبره بمطلق الكمال، سألت نفسي:

"هل هذه هي الحريّة؟"

في تلك النقطة، كنت قد فعلت كل شيء أردته تقريباً، ولكن كنت ما زلت أشعر بالفراغ... فأكملت البحث.

ذهبت للبحث في المغرب، كنت مع صديقتي البرازيلية ديب. طلبنا من موظّف الإستقبال في الفندق إذا أمكننا أن ندخل خفيةً إلى المسجد لنرى كيف يصلّي المسلمون. فقال لنا أنه من غير اللّائق الدخول، ولكن يمكننا أن نستيقظ عند الخامسة فجراً ونراقب عن بعد كيف يصلّون.

ذهبت للبحث في البندقية، منبهرة بهندستها التي تفوق الخيال، عمل مثير جداً من صنع البشر!

ذهبت للبحث في لانزاروت، في ميلان، بين جميع الناس التي التقيت بها وكل المشاهد التي رأيتها في رحلاتي...

في خلال رحلتي، قالت لي صديقة كولومبية كانت تسافر معي: "أنت فعلاً تافهة..."

سمعت أجراس الكنيسة تدق، فعرفت أنها الذبيحة الإلهية! لم استطع أن أقاوم... فقمت على الفور ومن دون تفكير أو تبرير وركضت نحو الكنيسة!

كان وقع هذه الكلمات قاسياً جداً... كنت أعلم بأن ما أفعله لم يكن الصواب، ولكن لم أظن يوماً انني تافهة...

كانت على حق... لقد كنت فعلاً تافهة!

كان الهدف من رحلاتي أن أتغيّر... أن أعطي منحاً جديداً لمسيرتي و أن ابحث عن معنى أعمق لما أفعله... لم احقّق شيئاً!

اشكر الله أنه في هذه المرحلة من حياتي، أرسل شخصاً يبحث عني...

مفترق طرق

كان لي عم في مدريد، إتصل بي وعرض عليّ مقابلة عمل مع مهندسة معمارية يعرفها جيّدا.

كان تبقّى لي بضعة أشهر وأنهي الماجستير، فلم أتردد وذهبت إلى غرناطة.

المهندسة التي يعرفها عمّي كان اسمها لوريتّو. بمجرد أن دخلت الإستديو ، عرفت بأني في المكان المناسب! طريقة تزيين المكان، المشاريع التي يعملون عليها، طريقة ونهج العمل... وبالأخص ترحيب لوريتّو الدافئ وطريقتها. شعرت بالإرتياح وأردت أن أبدأ العمل على الفور.

قالت لي لوريتّو : "عليك الإنتظار قليلاً، لأني في 15 تموز أنا ذاهبة إلى طريق مار يعقوب (Camino de Santiago).

!!Camino de Santiago كنت أنوي أن اذهب إلى هناك فورا إنتهائي من الماجستير، كانت ضمن المشاريع التي لم احققها لأني لم أجد بعد شخصاً يرافقني...

سألتها إذا يمكنني مرافقتها في رحلات الحج هذه، وافقت على الفور من دون أي شرط!

كل شيء كان يسير جيّداً والأمور كانت تتحسّن، في اليوم نفسه وجدت عملاً جيداً، ومرافقاً إلى طريق القدّيس يعقوب.

فقلت في نفسي "هذه هي اللّحظة التي عليّ فعلاً أن اشكر الله فيها"

ولكن الله كان طموحاً أكثر منّي بكثير... في هذه المرحلة من مسيرتي، اجتاحني!

أن أكره الخطيئة

ذهبت على متن حافلة مع مجموعة تضم 40 فتاة. الأغلبيّة بينهنّ يشاركن في النشاطات الّتي تنظم في Alsajara، المركز الجامعي الّتي تديره مجموعة من أعضاء "عمل اللّه" (أوبس داي Opus Dei). وقد علمت أنّ لوريتّو كانت أيضاً ضمن ال"عمل" (أي "عمل الله"). لم يكن لدي فكرة معمّقة عن " عمل اللّه" (أوبس داي Opus Dei)، ولم يكن يهمّني الموضوع، كل ما يهمّني هو أن احقّق هدفي بالسّير على طريق مار يعقوب... هذا كل ما كنت انتظر.

توقفنا في مدرسة زراعية عائليّة على الطّريق، كانت أيضاً في عهدة "عمل اللّه" (أوبس داي Opus Dei).

في اليوم التّالي لوصولنا، أخبروني عن وجود الكاهن في الكنيسة، للإعتراف...

رأيت باب غرفة الإعتراف مفتوحاً، فدخلت على الفور.

الأمر الذي استطعت مقاومته لسنوات... بت الأن بحاجة ماسة إليه...

في اليوم التّالي، أعطى الكاهن تأمّل لمجموعتنا، وما قاله بقي محفوراً في ذهني "يجب علينا أن نبغض الخطيئة". لم استطع أن أتوقف عن التفكير بهذه العبارة... أصبحت أرددها طول الوقت في عقلي "يجب أن أبغض ألخطيئة"... وأنا أفكر في حياتي...

بدأت أصلي وأتوسل إلى الله أن يجعل تلك الكلمات تتحقّق في حياتي... أن يساعدني لأتغير...

لهذا السبب تركت كل شيء وسافرت... "لأبغض ألخطيئة"

بالإضافة إلى التأمّلات اليوميّة مع الكاهن، كان لدينا الفرصة للمشاركة بالذبيحة الإلهيّة كل يوم.

القدّاس الإلهي، بالنسبة لي، كان يقتصر على نهار الأحد، لم أكن حتى أعلم أنه يحتفل به خلال الأسبوع...

لم أكن أعلم شيئاً عن فعل الشّكر، ذلك الوقت الحميم مع الله من بعد استقباله في سر الافخارستية!

تفاجأت بطريقة سجود الفتيات الآخرات أمام بيت القربان...

تأثرت جداً بهذا المشهد، وأردت أن أفعل مثلهنّ...

ولكن في نفس الوقت أحسست أن الأمر يتخطّاني، وشعرت بأنّي عاجزة...

شعرت بأنّي قد أقع مرة أخرى في الروتين... ولن استطيع تغيير حياتي مطلقاً...

سمعت أجراس الكنيسة تدق، فعرفت أنها الذبيحة الإلهية! لم استطع أن أقاوم... فقمت على الفور ومن دون تفكير أو تبرير وركضت نحو الكنيسة!

وصلنا في نهاية المطاف إلى سنتياغو دي كومبوستيلا ودخلنا إلى كاتدرائية مار يعقوب!

وبدأنا الواحدة تلو الأخرى بتقبيل تمثال القديس يعقوب... هذا العناق التقليدي عند إنتهاء المسيرة...

عندما أتى دوري، رميت نفسي بقوة نحو التمثال... وطلبت منه بقوة أكبر: "أن أبغض الخطيئة"

حيث السماء والأرض تلتقيان...

بدأت بالعمل وتقرّبت من لوريتّو واصبحنا أصدقاء.

كان يجمعنا حبّ الجمال والبحث عنه في العمار. لقد علّمتني أن أوحّد هذا البحث مع القيام بعملي جيداً حتى النهاية!

في الوقت نفسه، كنا نستمتع كثيراً!

كنا نتجول على متن درّاجة ناريّة لنقل مواد البناء، ونزور المعارض، نتنزّه، نراقب، نتأمّل ونفكّر!

كنا منذهلين بما يفعله الله... ويساهم به الانسان!

كانت لوريتّو تقودني إلى الله من دون أن أعلم...

كان الإنسجام بين الله وعملي يصبح طبيعياً يوماً بعد يوم... وأدركت أن هذا هو ما كنت ابحث عنه!

لطالما أردت أن أعيش بهذه الطّريقة... في حضور الله! امضيت معظم طفولتي في الريف، مما أعدّني وساعدني على التأمّل! كما فهمت كلمات القديس خوسيماريا وأنا أقرأها للمرّة الأولى: "على خطّ الأفق، أولادي، يبدو أن السّماء والأرض تجتمعان، ولكن هذا ليس هو الحال، المكان الذي تجتمعان به هو في قلبك! عندما تعيش حياتك اليوميّة العادية بكل قداسة!"

لقد فقدت تدريجياً الخوف من عدم التمكّن من المحافظة على هذا التغيير... لأنّي اكتشفت أن هذه هي الحياة بالأصيلة... وأنه علي أن أكون محاطة جداً في هذه المرحلة الجديدة، فبحثت عن المرافقة في التنشئة المسيحية التي تقدمها جامعة Alsajara.

من الإنجذاب إلى القرار

عندما أتيت إلى غرناطة لأعمل، كنت أعيش مع قريبتي في Monachil، قرية صغيرة في ضواحي المدينة.

لم تكن المواصلات سهلة بين البيت والجامعة، للحصول على التنشئة. ولكن كنت بحاجة إلى التأمل، إلى أوقات الصلاة، العطش الدائم لمعرفة المزيد عن إيماني وبخاصّة القدّاس... لم أعد استطيع أن أعيش من دون الذّبيحة الإلهية!

أتذكّر ليلةً، كنت مع قريبتي نشارك في صف ال-Yoga مع ال-Hippies في ساحة البلدة. فجأةً سمعت أجراس الكنيسة تدق، فعرفت أنها الذّبيحة الإلهية! لم استطع أن أقاوم... فقمت على الفور ومن دون تفكير أو تبرير وركضت نحو الكنيسة!

كان هناك شيء ما يشدني، أو بالأحرى شخص ما... لم أعد استطيع تصور حياتي من دون الله!

وقد أدركت هذا الأمر عندما كنت في إسطنبول. كنت اتطلّع شوقاً لرؤية العمارة الإسلاميّة الّتي كانت تجذبني، وما تبقى من القسطنطينية!

ولكنّي أصبت بخيبة أمل كبيرة... المساجد كانت أماكن عظيمة وكبيرة للصلاة، غنيّة بزينتها... ولكن الله لم يكن موجود!

كاتدرائية أيا صوفيا القديمة، كانت كنيسة ثم مسجد والان متحف... أصبحت خالية من المعنى!

لم يعد محور الإهتمام، بالنسبة لي، المباني... ولكن من يسكن فيها!

مع كل هذه الخبرات الداخلية، كنت أشعر بأن الله يطلب مني شيئاً... لم أعرف ما هو!

كنت أشعر بأن الدعوة في "عمل اللّه" (أوبس داي Opus Dei) شرفاً لا استحقّه!

ولكن هذا هو الطريق الذي رسمه لي الله شيئاً فشيئاً!

في 11 شباط 2011 كتبت رسالة إلى الحبريّة طالبة قبولي في "عمل الله"!

" طريق موفّق"

طوال الطريق المؤدية إلى سانتياغو Santiago ، وتبعاً للتّقليد، يقوم الحجّاج بختم جوازات سفرهم في نقاط ومراحل مختلفة تباعاً! مما يشهد أنهم سافروا مشياً طول الطّريق نحو قبر الرسول.

والأشخاص الذين يختمون الجوازات يقولون دائماً للمسافرين : "Buen Camino، طريق موفّق"

كنت فعلاً على الطّريق الصحيح الموفّق... استرجعت في ذاكرتي مسيرتي الشخصية خلال السنوات الماضية...

البحث عن الجمال، رغبتي في خدمة الاخرين، شغفي للهندسة المعماريّة، الوحدة بين العمل والتأمّل، حاجتي إلى إحالة كل شيء إلى الله... وفي النهاية، الدعوة لإعطاء ذاتي وكلّي!

عندما التقيت ب "عمل اللّه" (أوبس داي Opus Dei) للمرّة الاولى، وضع الله ختمه! مؤكداً لي منذ البداية أنه كان يقودني نحو الطريق الصحيح!