"يسوع الملك"

مع نهاية السنة الطقسية اللاتينية، يتم الإحتفال بعيد يسوع الملك. وفي هذه المناسبة، ​ننقل إليكم جزءاً من عظة للقديس خوسيماريا كان قد ألقاها في هذا العيد، في 22 تشرين الثاني عام 1970.

نصوص للتأمّل

"ها هي السّنة الطقسيّة تنتهي. وفي الذّبيحة المقدّسة على المذبح، نجدّد التّقدمة المرفوعة إلى أب المضحّى به، المسيح، الّذي هو، كما سوف نقرأه بعد لحظات في المقدّمة، ملك قداسة ونعمة، ملك عدل وحبّ وسلام. وفيما تتأمّلون إنسانيّة الرّبّ المقدّسة، تشعرون جميعكم بفرح عارم في نفسكم: ملك بقلب لحميّ كقلبنا؛ صانع الكون وكلّ خليقة فيه، مَن لا يفرض سلطته، بل يستجدي قليلاً من الحبّ، مظهرًا بصمت جراحات يديه.
لماذا يتجاهله الكثير من البشر؟ لماذا لا نزال نسمع هذا الصّراخ القاسي: "لا نريد هذا ملكًا علينا". فقد يوجد على الأرض ملايين من البشر يعارضون يسوع المسيح، بل بالأحرى ظلّه، لأنّ المسيح نفسه، لا يعرفونه؛ ولم يروا جمال وجهه ولا يعرفون شيئًا عن عقيدته الرّائعة.
هذا المشهد الحزين يدفعني إلى التّعويض. ففيما أسمع هذا الصّراخ المستمرّ، والمكوّن لا من كلمات وحسب بل من أعمال مشينة، لا يمكنني أن أمنع نفسي من الصّراخ عالياً وبقوّة: "يجب أن يملك".

أَلاعْتِراضُ عَلى يَسوعَ المَسيح
كثيرون لا يستطيعون تحمّل أن يملك المسيح ؛ فهم يعارضونه إذًا بألف طريقة: تبدأ معارضته في مشاريع العالم الكبرى، وفي العلاقات الإنسانيّة والعادات، والعلوم، والفنون، وحتّى في حياة الكنيسة! فقد كتب القدّيس أغوسطينوس، "لست أتكلّم، عن الفاسدين الّذين يجدّفون ضدّ المسيح. ففي الواقع قليلون هم الذين يجدّفون بالفم، غير أنّ من يجدّفون بسلوكهم فهم كثيرون".
وإنّ التّعبير نفسه "ألمسيح الملك"، يزعج البعض، بسبب مسألة في اللّفظ، سطحيّة، كما لو كان مُلك المسيح يمكن مزجه مع شعارات سياسيّة، أو لأنّ مجرّد الاعتراف بمُلكية الرّبّ يفضي بـهم إلى الاعتراف بسلطة. إنّهم لا يطيقون السّلطة، ولا حتّى سيادة مبدأ المحبّة اللّطيف. فهم لا يريدون في الواقع، أن يقتربوا من حبّ الله، وطموحهم يقتصر على إرضاء أنانيّتهم الشّخصيّة.
إنّ الرّبّ دفعني منذ زمن طويل، إلى تكرار، هذا الصّراخ الصّامت: سوف أخدم! فليزد فينا هذا العطش بأن نعطي ذواتنا، ونجيب بأمانة على ندائه الإلهيّ، وسط الشّارع، بطبيعيّة، بلا أبّـهة، وبـهدوء. فلنشكره من صميم القلب. فلنوجّه إليه صلاتنا الطفوليّة المتواضعة، فيمتلىء حينها لساننا وحلقنا لبنًا وعسلاً؛ ونبتهج في التّحدّث عن مملكة الله، مملكة الحرّيّة، تلك الحريّة الّتي استحقّها لنا.


أَلمَسيحُ، سَيِّدُ العَالَمِ
لنتصوّر قليلاً هذا المسيح، ذاك الطّفل البهيّ الطّلعة، الّذي رأيناه يولد في بيت لحم، فهو سيّد العالم، وجميع المخلوقات، في السّماوات وعلى الأرض، هو من خلقها. لقد صالح كلّ الأشياء، مع الآب، معيدًا السّلام بين السّماء والأرض، بدمه الّذي أهرقه على الصّليب. واليوم، يملك من عن يمين الله الآب. لقد أكّد الملاكان المتّشحان بياضًا إلى التّلاميذ المدهوشين الّذين كانوا يتأمّلون الغيوم بُعيد صعود الربّ ، بقولـهما: " أيّها الجليليّون، ما لكم قائمين تنظرون إلى السّماء؟ فيسوع هذا الّذي رفع عنكم إلى السّماء سيأتي كما رأيتموه ذاهبًا إلى السّماء".
فالملوك يملكون به. ولكن، بعد زوال الممالك والسّلطات البشريّة، تدوم مملكة المسيح "إلى الأبد"، لأنّ مملكته هي مملكة أبديّة، وسلطانه باقٍ من جيل إلى جيل.
فإنّ مملكة المسيح ليست طريقة كلاميّة ولا صورة بيانيّة. إذ إنّ المسيح يحيا، حتّى بوصفه إنسانًا، في الجسد عينه الّذي اتّخذه يوم تجسّد، والّذي قام بعد الصّليب، ويبقى متّحدًا بنفسه البشريّة وممجّدًا في شخص الكلمة. إنّ المسيح، إله وإنسان حقّ، يحيا ويملك، وهو ربّ العالم، الّذي وحده يحفظ حيًّا كلّ موجود.
لماذا لا يظهر الآن في كلّ مجده إذاً؟ لأنّه مع كونه في العالم، فمملكته "ليست من هذا العالم"، أجاب يسوع بيلاطسَ: "إنّي ملك. وأنا ما ولدت وأتيت إلى العالم إلاّ لأشهد للحقّ؛ فكلّ من كان من الحقّ يصغي إلى صوتي". فمن كان ينتظر من المسيح سلطة زمنيّة، مرئيّة، كان على خطأ إذ: "ليس ملكوت الله أكلاً وشربًا، بل برّ وسلام وفرح في الرّوح القدس".
هذا هو ملكوت المسيح: حقّ وبرّ، سلام وفرح في الرّوح القدس، إنّه الفعل الإلهيّ الّذي يخلّص البشر ويبلغ ذروته عند انقضاء التّاريخ، عندما يأتي الرّبّ الجالس في أعلى السّماوات، ليدين البشر نـهائيًّا.
عندما بدأ المسيح رسالته على الأرض، لم يقترح برنامجًا سياسيًّا، بل قال: "توبوا، فقد اقترب ملكوت السّماوات". ثمّ كلّف تلاميذه إعلان هذه البشرى السّارّة، وعلّمهم أن يسألوا في الصّلاة حلول الملكوت. هذا هو ملكوت الله وبرّه. هذا ما تقوم عليه حياة مقدّسة وما يجب أن نبحث عنه أوّلاً، ألأمر الوحيد الضّروريّ حقًّا.
إنّ الخلاص الّذي يبشّر به ربّنا يسوع المسيح هو نداء موجّه إلى الجميع. "كمَثَل ملك أقام وليمة في عرس ابنه. فأرسل خدمه ليدعوا المدعوّين إلى العرس". ويوحي لنا الرّبّ بأنّ ملكوت السّماوات هو في وسطكم.
لن نكون غرباء عن الخلاص إطلاقًا إذا ما خضعنا بطواعيّة إلى متطلّبات المسيح المُحِبّة، ووُلِدْنا مجدّدًا، وتشبّهنا بالصّغار، بكلّ بساطة الرّوح، ونزعنا من القلب ما يبعده عن الله. إذ إنّ يسوع لا يريد كلامًا وحسب، إنّما يريد أعمالاً، وجهودًا شجاعة، فإنّ الّذين يجاهدون يستحقّون وحدهم الميراث الأبديّ.


الأمر ليستحقّ!
إنّ كمال الملكوت، والحكم النّهائيّ في الخلاص أو الـهلاك، ليسا من هذا العالم. والملكوت اليوم، يشبه البذار، ونموّ حبّة الخردل. وفي النّهاية، سيكون الأمر كشبكة نجرّها على الشّاطئ: سيخرج منها، مَن صنعوا البرّ، ومن اقترفوا المعصية، فينالوا مصيرًا مغايرًا. لكن، طالما نحيا هنا، فالملكوت يشبه الخمير الّذي أخذته امرأة، ومزجته في ثلاثة مكاييل من الطّحين، حتّى اختمرت العجنة كلّها.
من يعي ماهيّة الملكوت الّذي يعرضه المسيح، يدرك أنّ الأمر يستحقّ أن يعمل المرء كلّ ما بوسعه للفوز به: إنّه تلك الجوهرة الّتي يمتلكها التّاجر ببيعه كلّ ما يملك؛ إنّه الكنـز الّذي وجد في الحقل. إنّه لمن الصّعب الفوز بملكوت السّماوات، وما من أحد يؤكّد البلوغ إليه. وحده صراخ الرّجل المتواضع التّائب يستطيع فتح أبوابه على مصراعيه. إنّ أحد اللّصّين المصلوبَين مع يسوع توسّل إليه بقوله: "أذكرني يا يسوع إذا ما جئت في ملكوتك". فقال له: "ألحقّ أقول لك: اليوم تكون معي في الفردوس".

(نقلاً عن كتاب "عندما يمرّ المسيح")